لماذا تزداد الشهية في الطقس البارد؟

في هذا المقال
البيولوجيا العصبية لتنظيم الحرارة وتوازن الطاقة
الرغبة التي لا تقاوم في الأكل خلال الشتاء أو عند برودة الطقس فجأة ليست مجرد «ضعف إرادة» أو «ملل». بل هي آلية بقاء معقدة شفرتها في جيناتنا ملايين السنين من التطور، وتعمل بالقوانين الأساسية لـ الديناميكا الحرارية وتخضع في إدارتها لـ تحت المهاد . ويعلن الجسم تعبئة استقلابية للحفاظ على توازنه الداخلي (الاستتباب) في مواجهة انخفاض الحرارة. وفيما يلي تفاصيل هذه العملية العصبية البيولوجية.
1. كلفة تنظيم الحرارة: إنتاج الحرارة مكلف
جسم الإنسان ثابت الحرارة؛ أي إنه، سواء كانت حرارة المحيط -10°C أو +40°C، يجب أن يحافظ على حرارته الداخلية التي تعمل عندها الأعضاء الحيوية (Core Temperature) في نطاق 36.5°C - 37.5°C بصورة ثابتة. وعندما يهدد إجهاد البرد هذا التوازن، يجب على الجسم «تشغيل المدافئ». وتحدث هذه العملية بطريقين رئيسيين:
- A. توليد الحرارة دون ارتعاش (Non-Shivering Thermogenesis): يُنشّط الجهاز العصبي الودي فور الإحساس بالبرد. ويبدأ عمل نسيج خاص يؤدي وظيفة «الموقد» في الجسم، هو النسيج الدهني البني (BAT) . وبفضل بروتين في ميتوكوندريا هذا النسيج يُسمى UCP1 (Uncoupling Protein 1) ، تُحوّل طاقة الغذاء (ATP)، بدل تحويلها إلى طاقة كيميائية، مباشرة إلى طاقة حرارية . وهذه عملية مكلفة بيولوجيًا للغاية وتستهلك سكر الدم بسرعة.
- B. توليد الحرارة بالارتعاش (Shivering): عندما تنخفض حرارة الجسم أكثر، تبدأ العضلات الهيكلية بالتقلص سريعًا وبصورة لاإرادية (الارتعاش). وقد يرفع هذا العمل الميكانيكي معدل الاستقلاب إلى 5 أضعاف المعدل الطبيعي . ويستنزف النشاط العضلي المكثف هذا مخازن الجليكوجين بسرعة.
زيادة إنتاج الحرارة تعني مباشرة زيادة استهلاك السعرات. ويرسل الدماغ إشارة عاجلة «تزود بالوقود» لتعويض مخازن الطاقة المستنزفة (الجليكوجين) والدهون المستهلكة. وهذا يولد شعورًا قويًا بالجوع.
2. الاستجابة العصبية الصمّاوية: حرب الهرمونات
ترسل زيادة استهلاك الطاقة إشارات كيميائية حيوية إلى الدماغ. وتحدث هذه الإشارات في منطقة تحت المهاد وتحديدًا في النواة المقوسة (Arcuate Nucleus) ، وهي منطقة في مركز التحكم بالشهية في الدماغ.
| الهرمون | التغير وآلية التأثير |
|---|---|
| Ghrelin (هرمون الجوع) | يُفرز عند فراغ المعدة وانخفاض حرارة الجسم. وينتقل بالدم إلى الدماغ، فيحفز تحت المهاد ويطلق إفراز NPY (الببتيد العصبي Y) و AgRP . وهذان من أقوى العوامل التي تصدر «أمر الأكل» في الدماغ. |
| Leptin (هرمون الشبع) | يُفرز Leptin عادةً من النسيج الدهني ويقول «شبعت، توقف»، لكن الدماغ يتجاهله في الطقس البارد (مقاومة Leptin). ولأن الجسم يريد الحفاظ على النسيج الدهني للعزل الحراري، فإنه يكبح إشارات الشبع. |
| الكورتيزول (هرمون التوتر) | الطقس البارد إجهاد بدني للجسم. ويؤدي هذا الإجهاد إلى إفراز الكورتيزول من الغدتين الكظريتين. ويزيد ارتفاع الكورتيزول الميل خصوصًا إلى الأطعمة «السكرية والدهنية». |
3. كآبة الشتاء والكربوهيدرات وتوازن السيروتونين
لا يؤثر انخفاض ضوء الشمس في الشتاء على فيتامين D فقط، بل يؤثر مباشرة في كيمياء الدماغ أيضًا. وتُسمى هذه الحالة في الأدبيات تغيرات كيميائية عصبية مرتبطة بـ الاضطراب العاطفي الموسمي (SAD) وفق هذا الوصف للحالة.
🧠 محاولة الدماغ إنتاج «دوائه بنفسه»:- انخفاض السيروتونين: السيروتونين ناقل عصبي مسؤول عن السعادة والشعور بالعافية. وعندما يقل ضوء الشمس، ينخفض إنتاجه في الدماغ. وهذا يجعل الشخص يشعر بمزيد من الاكتئاب والتعب والتعاسة.
- دور الإنسولين: يسلك الجسم طريقًا لافتًا لزيادة السيروتونين. فحتى يتمكن حمضه الأميني البنائي، وهو التريبتوفان ، من العبور إلى الدماغ، توجد حاجة إلى الإنسولين.
- نوبة اشتهاء الكربوهيدرات: عند تناول الكربوهيدرات (المعجنات والحلويات والمعكرونة)، يرتفع الإنسولين. ويسهل ارتفاعه عبور التريبتوفان إلى الدماغ، ويؤدي إلى زيادة مؤقتة في السيروتونين (الشعور بالراحة).
- النتيجة: امتداد يدك لا إراديًا إلى الحلوى في الأيام الباردة والمظلمة هو في الواقع محاولة الدماغ معالجة نفسه بنفسه (self-medication).
4. المنظور التطوري: «المجاعة تقترب»
الملخص والاستنتاج السريري
زيادة الشهية في الطقس البارد هي اجتماع ثلاثة عوامل رئيسية:
- فسيولوجي: زيادة الحاجة للسعرات للمحافظة على حرارة الجسم (توليد الحرارة).
- نفسي/عصبي: محاولة تعويض انخفاض السيروتونين الناتج عن قلة ضوء النهار.
- تطوري: غريزة تخزين الدهون التي يحفزها الخوف من المجاعة.
قد تساعد التغذية الغنية بالبروتين، وفحص مستويات فيتامين D، وتفضيل الكربوهيدرات المعقدة، في إدارة هذا الدافع البيولوجي.
المراجع العلمية
- Cannon, B., & Nedergaard, J. (2004). "Brown adipose tissue: function and physiological significance." Physiological Reviews, 84(1), 277–359.
- Klok, M. D., et al. (2007). "The role of leptin and ghrelin in the regulation of food intake and body weight in humans: a review." Obesity Reviews, 8(1), 21–34.
- Wurtman, R. J., & Wurtman, J. J. (1995). "Brain serotonin, carbohydrate-craving, obesity and depression." Obesity Research, 3(S4), 477S-480S.
- Tups, A. (2009). "Physiological regulation of food intake and energy balance by temperature." Physiology & Behavior.
هل كان هذا المقال مفيدًا لك؟
تساعدنا ملاحظاتك على تحسين المحتوى.





تعليقات القراء
شارك تعليقك
لا يُنشر اسمك وتعليقك إلا بعد موافقة المسؤول. لا يُعرض بريدك الإلكتروني للزوار مطلقًا.
كن أول من يعلّق.