هل ينبغي القلق من تحور كورونا أثناء التفشي؟

الطفرة الكلمة نفسها توحي بتغيرات غريبة وغير متوقعة...
كورونا المستجد (SARS-CoV-2) ينتشر هذه الأيام، وكما يحدث الآن، تدور نقاشات ناقصة وخاطئة خلال التفشيات عن مفهوم الطفرة . لكنها في الواقع جزء طبيعي من دورة حياة الفيروس، ونادرًا ما تغير مسار التفشي جذريًا.
كلمة «طفرة» اليومية لا تعكس تعقيد مفهومها بالتطور كاملًا. وفي الخيال العلمي تعني التحور تغيرات شديدة وواضحة، وغالبًا مثلًا اكتساب قوى خارقةبهذا المعنى. ويُعد تهويل الطفرات في قطاعي الترفيه والسينما أحد المجازات الشائعة التي تُستخدم لتصوير الأوبئة بصورة أشد تأثيرًا. ففي الفيلم المنتج عام 1971، «لغز أندروميدا-The Andromeda Strain»، نرى ميكروبًا فضائيًا يتطور باستمرار ليكتسب صفات جديدة، منها استراتيجيات تتجاوز الاحتواء والنقل كتحطيم البلاستيك. وفي فيلم الإثارة المنتج في 1995، «التهديد-Outbreak»، يتحور فيروس شبيه بعامل إيبولا الحالي سريعًا إلى شكل شديد العدوى قادر على الانتقال بالهواء. وبمراعاة سرعة وصول هذه القصص إلى جميع الشرائح وجاذبيتها للجماهير، ففي الواقع، خلال الجوائح لا يُستغرب ميل الصحفيين، بل حتى العلماء، إلى الاستفادة من نظريات المؤامرة في مثل هذه الظروف.
تفيض وسائلنا الإعلامية وقنوات العلم هذه الأيام بإعلانات تشوه الطفرات وترعب الناس في سياق كورونا المستجد. فعناوين مثل «محققو DNA يبحثون عن طفرات خطيرة بالفيروس الجديد» تجعل توقع أن الفيروس سيتحور حتمًا ويصبح أشد فتكًا يترسخ في الأذهان. وتمهد هذه الأخبار لسيناريوهات نهاية العالم، التي قد تجعل ممارسات الصحة العامة، القادرة فعلًا على ضبط التفشي، تبدو كأنها غير صالحة وعديمة الفائدة.
بخلاف الخيال العلمي، ليس تهويل تحور الفيروس بريئًا. سوء تفسير أثر الطفرةولرؤية أثره المباشر على صحتنا وأماننا نراجع التفشيات الحديثة. فمثلًا قبل تفشي زيكا بأمريكا الوسطى والجنوبية في أبريل 2015 ظهرت طفرة بمنطقة الغشاء الجينومية (prM-S139N). وأُبلغ لاحقًا بتجارب الحيوان أنها تزيد قدرة زيكا على إصابة الجهاز العصبي. لكن قبل إثبات النتائج نهائيًا، انتشرت أخبار خاطئة تنسب إليها متلازمة زيكا الخلقية، خصوصًا صغر الرأس. وعند كشف زيكا بالهند في 2018، أعدت الحكومة خططها بافتراض غياب الضرر الجنيني، لأن «الطفرة المنسوبة لصغر الرأس» لم تُكشف بالسلالات المحلية، متأثرة بهذا الاستنتاج غير المثبت. لكن الأمر لم يكن بهذه البساطة!..
رغم ندرة استقرار كل طفرة بالمادة الجينية وتغير الصفات المعقدة للفيروس تمامًا، تتناول أخبار كثيرة مفهوم الطفرة.
في الحقيقة، الطفرات بفيروسات RNA أمر عادي جدًا (وكورونا منها)، لأنها تحوي إنزيم RNA بوليميراز المعرض للخطأ، الذي ينسخ المادة الجينية. فتتراكم الأخطاء بكل دورة نسخ، والدورات سريعة خلال ساعات وتكفي لتنوع فيروسي كبير بمريض واحد. ورغم أن القدرة على التحور قوة دافعة للتطور، تغير معظم الطفرات الوظائف ضد مصلحة الفيروس. كما تُضبط طريقة انتقاله بين الأشخاص وضراوته، أي قدرته على الإصابة، غالبًا بجينات متعددة؛ فيلزم اجتماع طفرات مفيدة كثيرة لتغيير هذه الصفات. ورغم سرعة التحور، لا تُصادف عادة فيروسات تغير طريقة انتقالها بمثل هذا الزمن التطوري القصير. ويتضح من ذلك عدم يقين كبير بشأن الصفات التي سيحتفظ بها الانتقاء الطبيعي.
كذلك لا يسهل توقع دور الانتقاء الطبيعي بالتطور الفيروسي. وتطور الضراوة معقد جدًا وفتح أبحاثًا واسعة بنظرية التطور. فمثلًا قد تزيد الضراوة مع سرعة الانتشار؛ وزيادة الانتشار تعني غالبًا، لا دائمًا، إطلاق فيروسات أكثر من الخلايا. لكن قد يمرض الشخص بشدة تمنعه من عدوى الآخرين، فتنخفض السرعة فعليًا. لذلك يصعب توقع تغير الضراوة بالقليل المعروف عن قوى التطور وديناميات الانتقاء. ولا يعني ذلك غياب الطفرات والانتقاء أثناء الأوبئة؛ المشكلة صعوبة تحديد نتائجها الوبائية، ويلزم بحث تجريبي ووبائي جاد للأنماط الظاهرية الفيروسية.
طبيعي أن نسأل هل يتحور SARS-CoV-2 ضد البشر. لنراجع وباء 2002-2003 لـ SARS-CoV-1. كُشفت مبكرًا بجينوم SARS-CoV-1 حذوفات كبيرة بمنطقة ORF8 وطفرات بجينات البروتين S (الشوكي). ثم أصبحت الفيروسات الحاملة لها سائدة، ما يوحي بتكيف مع الإنسان. واقتُرح أن وباء SARS نشأ جزئيًا من هذه التغيرات، لكن لم يثبت ذلك. هل يتكيف SARS-CoV-2 كذلك؟ نعم. وهل يسبب التكيف وفيات أكثر؟ ذلك غير مرجح.
تتركز الطفرات بمنطقة ارتباط المستقبل المستخدمة لدخول خلايا البشر، المعروفة بأنها أكثر قابلية للتغير. فمثلًا تتطابق مواقع ارتباط فيروسات الخفاش وSARS-Cov-2 بنسبة %98، لكن فرق %2 أتاح عدوى البشر.
ومن جهة أخرى، ألفة ارتباط بروتين الفيروس الجديد بالمستقبلات البشرية أعلى من القديم المسبب لتفشي 2003 بمقدار 10-20 ضعفًا. وأهمية ذلك: رغم تشابه مواقع ارتباطهما بنسبة %98، فإن الأجسام المضادة الناتجة عن موقع القديم لا تفيد كثيرًا ضد الجديد، بفارق %2 أيضًا. أي لا بد من استخدام موقع ارتباط الجديد لتطوير الدواء.
حان إعادة تشكيل فهم الطفرات. فهي ليست علامات لصفات فيروسية جديدة غريبة وبعيدة ومدمرة، بل قد توسع فهمنا للتفشيات. وتشكل أنماط الطفرات وتتابعها الزمني أساس دراسات التطور العرقي، التي تتنبأ بمسار التفشي آنيًا. ولهذا يُستخدم مجال «الوبائيات الجينومية»، الذي يستخرج الأشجار التطورية، بضبط جائحة SARS-CoV-2 و تخفيفها (mitigation) يُستخدم لهذا الغرض. وستتيح المشاركة السريعة والعلنية لجينومات الفيروس على المستوى العالمي إجراء الأبحاث المتعلقة بانتشاره.
بدل الخوف من الطفرات، يجب قبول هذه الحقيقة والعمل عليها؛ فهي نتيجة حتمية لكون الكائن فيروسًا.
- جميع مقالاتنا عن فيروس كورونا -
المصادر
We shouldn’t worry when a virus mutates during disease outbreaks.
Nat Microbiol 2020
هل كان هذا المقال مفيدًا لك؟
تساعدنا ملاحظاتك على تحسين المحتوى.





تعليقات القراء
شارك تعليقك
لا يُنشر اسمك وتعليقك إلا بعد موافقة المسؤول. لا يُعرض بريدك الإلكتروني للزوار مطلقًا.
كن أول من يعلّق.