الطب والتكنولوجيا ونهاية السرطان

المقال التالي ترجمة لمقال مؤسسي BioNTech الدكتور أوغور شاهين والدكتورة أوزلم توريتشي المنشور في The New York Times في 3 ديسمبر 2023، بعنوان «Medicine, Technology and the End of Cancer».
*
قد يكون الذكاء الاصطناعي مفتاح إطلاق إمكانات لقاحات السرطان المخصصة للفرد.
قبل عقود، كنا طبيبين حديثي العهد بالعمل في قسم السرطان بمستشفى جامعي في ألمانيا، وكثيرًا ما اضطررنا إلى إبلاغ مرضانا رسالة مؤلمة: «لم يعد لدينا خيار علاجي نقدمه لكم.» وكانت أسلحتنا الرئيسية ضد السرطان المتقدم آنذاك العلاج الكيميائي والإشعاعي. ورغم فعاليتهما أحيانًا، لم يكونا في كثير من الحالات الشفاء الذي رجاه الناس.
اليوم تغير مشهد علاج السرطان جذريًا. وشهدنا ظهور أدوية جديدة تستهدف نمو الورم بدقة عالية. وأصبحت بعض السرطانات التي عُدت غير قابلة للعلاج سابقًا، حتى في المراحل المتقدمة، قابلة للسيطرة. لكن بالنسبة إلى معظم مرضى السرطان النقيلي ، يظل الوعد بعلاج بالغ الفعالية حلمًا بعيد المنال.
فلماذا يظل الشفاء استثناء لدى مرضى السرطان المتقدم رغم استثمار مليارات الدولارات سنويًا في أبحاث السرطان؟
تكمن الإجابة في طبيعة السرطان . إذ ينشأ السرطان مع الوقت من تغيرات وراثية عشوائية داخل الخلايا السليمة، أي من طفرات . وقد تحفز هذه الطفرات خيارات نمط الحياة أو الاستعدادات العائلية أو الحالات الصحية المزمنة القائمة أو التعرض لمواد كيميائية خطرة. ومع تراكمها، تتحول الخلايا المتحورة إلى كيانات سرطانية.
ولهذه العشوائية نتيجتان:
- أولًا، كل سرطان فريد بقدر فرادة الشخص الذي يصيبه، ما يعني أن بعض المصابين بالنوع نفسه من السرطان فقط يتشاركون طفرات مشتركة.
- ثانيًا، كل ورم نسيج معقد من مليارات الخلايا المختلفة التي تتعلم باستمرار التكيف، والتهرب من جهاز المناعة ومقاومة الاستراتيجيات العلاجية التي نواجهها بها.
لكن هل يمكننا لمواجهة هؤلاء الأعداء المراوغين استخدام قوة أخرى شخصية ودائمة التعلم، هي جهازنا المناعي؟
تتكون آلية دفاع الجسم من مليارات الخلايا ذات القدرات المذهلة. ومن بينها حراس الطبيعة اليقظون الذين يجوبون الجسم باستمرار، وهم الخلايا التائية . لكن جهازنا المناعي مبرمج تطوريًا لمحاربة التهديدات الخارجية، مثل الفيروسات والبكتيريا، لا الطفرات الناشئة من الداخل. لذلك لا يلفت انتباه دفاعاتنا المناعية سوى جزء صغير من الطفرات.
تخيلوا الآن مستقبلًا تصبح فيه لقاحات السرطان المخصصة للفرد متاحة عند الطلب. ستُصمم خصوصًا لنقل طفرات السرطان الفريدة لكل مريض بدقة، وتعمل مثل ملصق «مطلوب» يوجه الخلايا المناعية إلى شن هجمات متعددة الجوانب على الورم.
ما كان مجرد رؤية عند أسرّة مرضانا قبل 30 عامًا أصبح الآن محور تجارب سريرية مكثفة لنا ولغيرنا.
وقد وفرت التطورات المتراكمة في العلم والتكنولوجيا في مجالات متنوعة قوة دفع من الخلف.
(شرح كيفية عمل لقاح السرطان الذي تطوره BioNTech)
أصبح تحليل البنية الوراثية لسرطان كل مريض، بدقة عالية وخلال ساعات قليلة من خزعة صغيرة، ممكنًا بواسطة تقنيات التسلسل من الجيل التالي التي تقرأ DNA. وتساعدنا القدرة الحاسوبية الجديدة المتاحة على نطاق واسع على معالجة الكم الهائل من بيانات هذا التسلسل. ونطبق تحليلات متقدمة للبيانات، وتساعدنا خوارزميات الذكاء الاصطناعي في تحديد الطفرات التي نراها الأهم. ثم تصبح هذه الطفرات أساس ملصق «مطلوب» الذي يُرسل إلى الخلايا عبر الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA) في اللقاح. وRNA هو منصة اللقاحات التي نفضلها وأقدم رسل الطبيعة. ويمكن تصميمه وتخصيصه وتصنيعه سريعًا خلال بضعة أسابيع. فالوقت جوهري لمرضى السرطان.
موضوع ذو صلة: لقاح BioNTech للسرطان يبدأ إظهار نتائجه في التجارب البشرية: النتائج الأولى إيجابية
تخضع مرشحات لقاحات السرطان المخصصة حاليًا لاختبارات صارمة، ويقتصر الوصول إليها على تجارب سريرية مضبوطة. وقد أظهرت هذه التجارب لدى أعداد قليلة من المرضى إمكانية تنشيط خلايا تائية تتعرف إلى الخلايا الورمية بناء على الطفرات المختارة ثم تتكاثر، وهو شرط أساسي مهم لمحاربة جهاز المناعة للسرطان. الميلانوما وسرطان البنكرياس مجالان أظهرت التجارب السريرية الحديثة فيهما فائدة محتملة للقاحات mRNA المخصصة في تقليل خطر عودة السرطان بعد الجراحة. ويجري الباحثون أيضًا تجارب سريرية أكبر تقارن هذه اللقاحات بالمعايير العلاجية الحالية في بعض السرطانات. وستوفر بيانات هذه التجارب في الأعوام المقبلة معلومات عن سلامة لقاحات السرطان المخصصة قيد التطوير وفعاليتها.
غالبًا ما يحدث التقدم التكنولوجي والعلمي في مسارات متوازية منعزلة، لكن النتائج قد تكون رائدة عندما تلتقي. ويجسد الجمع بين mRNA والذكاء الاصطناعي مثل هذا الالتقاء، وقد يبشر بعصر طبي جديد بإرساء أساس لحلول طبية تحولية تتمحور حول المريض.
نعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيواصل أداء دور متزايد الأهمية في تطوير لقاحات السرطان والأدوية المخصصة. وتستطيع خوارزمياته تحليل مجموعات ضخمة من بيانات الجينوم بسرعة، وتحديد أنماط وارتباطات قد تغفلها الطرق التقليدية. ويفيد هذا التحليل السريع والدقيق خصوصًا عند محاولة تحديد الطفرات السرطانية ذات الصلة بين المتغيرات الوراثية الكثيرة في ورم المريض. ومع نمو قواعد بيانات السرطان العالمية، يُرجح أن تتحسن باستمرار التنبؤات الخاصة باختيار الطفرات وتصميم اللقاح لكل مريض.
بفضل خصائصه الجزيئية، يتيح mRNA شديد التنوع تصنيعًا سريعًا وقابلًا للتوسع في مرافق إنتاج مصغرة ومتوازية وآلية. ويفكك الإنتاج المتوازي خط التجميع التقليدي ويتيح صنع منتجات مختلفة في الوقت نفسه. وبالنسبة إلينا، تشكل خصائص التصنيع القائم على mRNA هذه أساسًا لإمكان إتاحة أدوية مخصصة حقًا على نطاق واسع يومًا ما، ولتطبيق المعرفة العلمية المحسنة بمساعدة الذكاء الاصطناعي في الوقت المناسب. وقد يتيح جمع هذه التقنيات تعديل لقاحات mRNA المخصصة بسرعة مع تطور نمط طفرات ورم المريض.
نعتقد في مجال الأبحاث الطبية أن اقتران تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي وmRNA يطلق عصرًا تحوليًا يوازي قانون مور في الرقائق الدقيقة.
وكما توقع قانون مور النمو الأُسي للقدرة الحاسوبية، نشهد الآن تسارعًا مشابهًا قد يعالج احتياجات طبية ملحة لم تُلبّ بعد. لكن هناك فرقًا: فسرعة ظهور المعرفة الجديدة وتجاوز العوائق التكنولوجية تفوق قدرتنا على تطوير العلاجات الجديدة والموافقة عليها ضمن الأنظمة التنظيمية والإجرائية التقليدية للنماذج الحالية لتطوير الأدوية والممارسة السريرية والرعاية.
وهكذا تُوجه دعوة إلى العلماء والحكومات وقطاعات الصحة العامة والمجتمعات لمنع اتساع الفجوة بين ما قد تتيحه المعرفة والتطورات التكنولوجية الحالية، وبين الخيارات العلاجية المقدمة للمرضى.
مع أخذ كل ذلك في الاعتبار، كم يبعد عنا المستقبل الطبي للقاحات السرطان المخصصة؟
ما زلنا في البداية. فمثل أي علاج جديد، يجب أن تجتاز مرشحات لقاحات السرطان المخصصة مراحل التطوير السريري وتثبت فعالية متفوقة على العلاجات الحالية. ونتوقع أول موافقة على هذه العلاجات واعتمادها لبعض أنواع السرطان المختارة بحلول عام 2030. وقد يشهد العقد اللاحق تحولًا تقوده التكنولوجيا، يجعل العلاجات المخصصة متاحة على نطاق واسع وبتكلفة ميسورة.
السرطان مرض شخصي بعمق، وقد حان الوقت ليكون علاجه شخصيًا أيضًا.
المصادر
هل كان هذا المقال مفيدًا لك؟
تساعدنا ملاحظاتك على تحسين المحتوى.





تعليقات القراء
شارك تعليقك
لا يُنشر اسمك وتعليقك إلا بعد موافقة المسؤول. لا يُعرض بريدك الإلكتروني للزوار مطلقًا.
كن أول من يعلّق.