السكين والنار والذهب: البيان الجراحي لابن سينا

في هذا المقال
اليوم 30 (سلسلة تاريخ السرطان في 365 يومًا)
في عصر لم يكن فيه تخدير وكانت العدوى تجوب كل مكان؛ ذلك الخط الرفيع المميت بين «اقتلاع الورم من جذوره» و«عدم مسّه أبدًا».
نحن في أحد أشد مشاهد تاريخ الطب توترًا. لم يكن بيد جرّاح العصور الوسطى سوى سكين حادة ونار متقدة وصرخات المريض. وبعد أن فهم ابن سينا السرطان بوصفه تراكمًا من «السوداء» يغزو الجسم، وضع أمام الأطباء معضلة مرعبة: إما أن ترقصوا مع الموت لاقتلاع هذا الشر من الجسم، أو تُغمدوا سكينكم وتقبلوا القدر.
كان معنى أن تكون «جرّاحًا جيدًا» في ذلك الزمن ألّا تُحسن القطع فقط، بل أن تعرف متى لا تقطع . وعندما أجاب ابن سينا عن هذا السؤال في الكتاب الرابع من القانون، كتب أيضًا دستور جراحة الأورام اليوم: الاستئصال الجذري وعدم القابلية للجراحة. ولم تكن هذه مجرد تقنية، بل فلسفة.
«الكل أو لا شيء»: الاستئصال الجذري
فلسفة ابن سينا الجراحية واضحة: «العمل نصف المنجز أسوأ من عمل لم يُنجز». فإذا كان الورم سيُجرى له استئصال، فلا ينبغي أن يكون مجرد قطع عادي. لقد استشعر أن للورم «جذورًا غير مرئية»، وصاغ قبل ألف عام مبدأ الطب الحديث «الهامش الجراحي السليم» (Clean Margin) على النحو الآتي:
استأصل على نطاق واسع الورم والنسيج المحيط الذي يبدو سليمًا أيضًا، وكأنك تجري «بترًا».
اقطع الأوعية التي تغذّي الورم واربطها من جذورها. ولا تسمح لـ«الدم الملوّث» (الخلايا الورمية) بالهروب.
أفرغ الدم المتبقي في المنطقة بالكامل. فقد يحمل هذا الدم بذور المرض (تدبير للوقاية من النكس الموضعي).
تحذير مقدس: «Noli Me Tangere»
لعلّ أعظم إسهامات ابن سينا كان كبح الغرور الجراحي. فقد أدرك أن استخدام السكين في السرطانات المتقدمة والمنتشرة والملتصقة بالأنسجة العميقة هو «إيقاظ الوحش النائم». لكن المفهوم الذي استخدمه للتعبير عن هذا التحذير شهد أحد أكثر الانتقالات الثقافية إثارة للاهتمام في تاريخ الطب.
«إذا كان الورم كبيرًا ومتصلبًا وجذوره عميقة، فإياك أن تمسّه! التدخل الجراحي يستفز المرض ويهيّج الورم ويقصّر عمر المريض».
ملاحظة طبية
«الأفضل ألّا تُعالَج السرطانات الخفية (الداخلية). فالمعالَجون يموتون سريعًا، ومن لا يُمسّون يعيشون أطول». (الأقوال المأثورة، 38)
قال أبقراط ذلك بوصفه ملاحظة طبية بحتة؛ فالجراحة غير الكافية كانت تسرّع العدوى والموت.
حرمة مقدسة من اللمس
بعد قيامته، ظهر السيد المسيح لمريم المجدلية (Mary Magdalene) وقال: «Noli me tangere» (لا تلمسيني / لا تمسكيني)، لأني لم أصعد بعد إلى الآب.
في العصور الوسطى نُسب هذا التعبير إلى السرطان. وأُعلن السرطان «غير قابل للمسّ»، كأنه شيء مقدس أو ملعون. وأخذ ابن سينا هذا المفهوم ومنحه أساسًا بيولوجيًا (خطر النقائل).
التطهير بالنار: لماذا الذهب؟
كان «الكي» أهم أسلحة جراحة العصور الوسطى وأشدها إخافة. وكان ابن سينا يشترط كي الجرح بعد استئصال الورم. ولهذا ثلاثة أسباب: إيقاف النزف، وحرق الخلايا السرطانية المتبقية، ومنع العدوى.
نبالة الذهب
بينما كان معاصروه يستخدمون أدوات حديدية، كان ابن سينا يصر على «المكواة ذات الرأس الذهبي» ويوصي بها. فالذهب معدن نبيل لا يصدأ، ويلتصق بالنسيج بدرجة أقل، ويتيح التئام الجرح بصورة أنظف. وهذا التفصيل دليل على جمع ابن سينا علم المواد والطب، وتفكيره في راحة المريض حتى في تلك الظروف.
تعليق الأستاذ الدكتور مصطفى أوزدوغان
«عندما نقرأ ابن سينا، نرى أمامنا مديرًا للمخاطر، لا طبيبًا فقط. فمبدأ أن ليس كل سرطان يُعالَج بالسكين ما زال حتى اليوم القاعدة الذهبية لجراحة الأورام. وفي عصر بلا أشعة أو فحوص PET، كان يعرف بأطراف أصابعه وحدها هل الورم ملتصق (غازٍ)، ويحمي المريض من جراحة غير ضرورية ومؤلمة. وهذا يبيّن أنه لم يكن طبيبًا عظيمًا فحسب، بل ضميرًا عظيمًا أيضًا. والقانون دليل على أن الطب ليس علمًا فقط، بل فن التوقف أيضًا».
- تقرير أطباء التاريخ الإسلامي، الجزء 2: معضلة الجرّاح.
- Avicenna's Canon of Medicine, Book IV (Surgical Treatment of Cancer).
- Contributions of Avicenna to Surgery and Anesthesiology - ResearchGate.
- The Art of Healing with Heat: Cauterization in Unani Medicine.
هل كان هذا المقال مفيدًا لك؟
تساعدنا ملاحظاتك على تحسين المحتوى.





تعليقات القراء
شارك تعليقك
لا يُنشر اسمك وتعليقك إلا بعد موافقة المسؤول. لا يُعرض بريدك الإلكتروني للزوار مطلقًا.
كن أول من يعلّق.