قرد ووتر عود وثورة جراحية: عبقري الأندلس الزهراوي

في هذا المقال
اليوم 32 (سلسلة تاريخ السرطان في 365 يومًا)
بينما كانت أوروبا تعيش «العصور المظلمة»، كان عبقري في قرطبة يحوّل الجراحة من «جزارة» إلى فن. مختبر الزهراوي (Albucasis)، ووتر العود الذي ابتلعه قرد، وتلك اللحظة التي غيّرت الطب الحديث.
«من اشتغل بعلم التشريح ازداد إيمانًا بالله». — الزهراوي
مقدمة: في أندلس القرن العاشر، كانت أروقة مدينة الزهراء الرخامية شمال غربي قرطبة تفوح بزهر البرتقال والحبر. وفي هذه الجنة الفكرية كان طبيب البلاط أبو القاسم الزهراوي يستعد لثورة ستغيّر مجرى تاريخ الطب. ولم يكن طبيبًا فقط، بل مخترعًا أيضًا. وسيصبح مؤلَّفه ذو المجلدات 30، كتاب التصريف، «الذاكرة البصرية» للجراحة، ويُدرَّس كتابًا مرجعيًا في أوروبا مدة 500 عام.
حادثة موسيقية واكتشاف «Catgut»
يُظهر تاريخ العلم أحيانًا أن أعظم الاكتشافات تأتي في أكثر اللحظات غير المتوقعة. واكتشاف الزهراوي «خيط الجراحة القابل للذوبان»، أحد أحجار أساس الجراحة الحديثة، يعود إلى مصادفة كهذه.
ابتلع قرد كان الزهراوي يربيه في مختبره، ذات يوم بالخطأ، أوتار عوده (آلة شبيهة باللوت). وكانت أوتار العود آنذاك تُصنَع من أمعاء الأغنام. وبينما كان الزهراوي ينتظر بقلق، لاحظ أمرًا مدهشًا: لم يرفض جسم القرد الوتر، بل «أذابه» وامتصه مع الوقت.
النتيجة: فتحت هذه الملاحظة الطريق أمام استخدام «Catgut» (خيط الأمعاء) . وأصبح الجرّاحون قادرين على خياطة الأعضاء الداخلية دون الاضطرار إلى فتح المريض مجددًا لإزالة الخيوط. وكانت هذه خطوة حيوية لجراحة السرطان العميقة.
200 أداة جديدة: الحاجة أم الاختراع
لم تكن الأدوات الجراحية موحدة قبل الزهراوي؛ فقد كان كل حدّاد يصنع ما يراه مناسبًا. أما الزهراوي، ففي كتاب التصريف، رسم في المجلد 30 رسومات دقيقة لأكثر من 200 أداة، صُمّمت كل واحدة لغرض محدد. وكان هذا أول أطلس جراحي مصوّر في تاريخ الطب.
تحذير «الرجل الأعمى»
رأى الزهراوي أن الجراحة تتحول إلى سلاح في الأيدي الجاهلة. ويوجّه في مقدمة كتابه هذا التحذير الشديد:
كان من أوائل المعلّمين الذين دافعوا عن أن الجراحة تتطلب معرفة تشريحية عميقة، لا «مهارة يدوية» فقط. وتمسّك بقوة بمبدأ «أولًا، لا تُلحِق الضرر»، وعدّ الرفض الصادق لجراحة لا يستطيع إجراءها (كالسرطانات المتقدمة) فضيلة.
تعليق أكاديمية DROZDOGAN
من المدهش أن نعرف، عندما ندخل غرفة عمليات اليوم، أن جذور الأدوات والخيوط الجراحية وحتى الانضباط الجراحي الذي نستخدمه وُضعت في قرطبة قبل 1000 عام. فقد أثبت الزهراوي أن الطبيب ينبغي أن يكون «مخترعًا» أيضًا، لا مجرد «ممارس». وإبداعه الممتد من وتر العود إلى خيط العملية أجمل دليل على أن الطب متداخل مع الفن والحياة، لا مع العلم وحده.
هل كان هذا المقال مفيدًا لك؟
تساعدنا ملاحظاتك على تحسين المحتوى.





تعليقات القراء
شارك تعليقك
لا يُنشر اسمك وتعليقك إلا بعد موافقة المسؤول. لا يُعرض بريدك الإلكتروني للزوار مطلقًا.
كن أول من يعلّق.