عبقرية ابن سينا في الأدوية والتغذية عند عجز الجراحة

في هذا المقال
اليوم 31 (سلسلة تاريخ السرطان في 365 يومًا)
حين لا تصل السكين، يتدخل ذكاء ابن سينا. أعشاب تنظّف «الصفراء المحترقة»، ومعادن تكوي الورم، ورؤية «العلاج الشامل» الموروثة لعلم الأورام اليوم.
نصل إلى الجزء الختامي من سلسلتنا عن ابن سينا، إلى القانون في الطب، ولعلّها أكثر صفحاته تطورًا وتعقيدًا. الجراحة (الجزء 2) كانت لاقتلاع العدو المرئي. لكن ابن سينا كان يعلم أن السرطان ليس مجرد ذلك التورم؛ بل سم جهازي تنشره «السوداء» في الجسم كله. ولم تكن سكين الجرّاح تكفي لمحاربة هذا «العدو الخفي»؛ بل كانت ثمة حاجة إلى صيدلية الطبيعة وحكمة المطبخ.
مقاربة ابن سينا الدوائية نموذج أولي بدائي، لكنه منطقي بصورة مدهشة، للعلاج الكيميائي الذي نستخدمه اليوم (الأدوية السامة للخلايا) والرعاية التلطيفية (المسكنات). فلم يستخدم النباتات مجرد «أعشاب»، بل أسلحة جزيئية.
صيدلية الطبيعة: السم والترياق
يمتلئ الكتاب 5 من القانون (الأقراباذين) بوصفات معقدة أُعدّت لعلاج السرطان. وتقوم استراتيجية ابن سينا على ثلاثة محاور: تقليص الورم، وتسكين الألم، وطرد السوداء من الجسم.
أفضل صديق للكبد. كان ابن سينا يستخدمها لفتح انسدادات الكبد التي تُعدّ مصدر السوداء. ويجد العلم الحديث اليوم مركبات مضادة للأورام في الهندباء.
سم قاتل، لكنه دواء في الأيدي الماهرة. كان يُستخدم بجرعات منخفضة لـ«حرق» الأورام المتقرّحة المتعفنة وكي النسيج كيميائيًا.
دواء الرحمة. كان لا غنى عنه لابن سينا لتسكين الآلام التي لا تُحتمل لدى مرضى السرطان المتقدم. وهو أصل الرعاية التلطيفية.
المعركة في المطبخ: «أنت ما تأكل»
بحسب ابن سينا يبدأ علاج السرطان في المطبخ. فما دام طبع المرض «باردًا وجافًا» (السوداء)، فعلى المريض استعادة التوازن بتناول أطعمة «حارة ورطبة». وإليكم «النظام الغذائي المضاد للسرطان» قبل ألف عام:
تجعل هذه الأطعمة الدم كثيفًا وتنتج السوداء:
- لحم البقر (خصوصًا الحيوان المسن)
- اللحوم المملحة والمجففة
- العدس والملفوف
- الأجبان المالحة المعتّقة
ترقّق هذه الأطعمة الدم وترطّب الجسم:
- السمك الطازج (مسلوقًا)
- صفار البيض نصف المسلوق
- حساء مرق الدجاج
- التين واللوز وعصير الفاكهة الطازج
صدى ألف عام: إرث ابن سينا
عندما رحل ابن سينا في 1037، لم يترك كتبًا فحسب، بل «طريقة تفكير». ومقاربته للسرطان هي بعينها مفهوم «طب الأورام التكاملي» (Integrative Oncology) الذي يعيد الطب الحديث اكتشافه اليوم.
«لو علقت في جزيرة نائية، لكان كتاب الطب الوحيد الذي آخذه معي هو القانون». — السير ويليام أوسلر
نعلم اليوم أن ما سماه ابن سينا «الصفراء المحترقة» هو في الحقيقة الالتهاب المزمن و الإجهاد التأكسدي. ويتطابق النظام الغذائي الذي أوصى به (تجنّب اللحوم المصنعة) تمامًا مع توصيات منظمة الصحة العالمية (WHO) اليوم للوقاية من السرطان. وإرثه، خارج التكنولوجيا، يكمن في طريقة مقاربة المريض.
تعليق أكاديمية DROZDOGAN
مع اختتام سلسلتنا عن ابن سينا نرى أنه، بوصفه «طبيبًا فيلسوفًا»، لم يرَ السرطان مجرد ورم، بل اختلالًا في توازن الجسد والروح. وبجمعه الجراحة (السكين) والأدوية (الأعشاب) والنظام الغذائي (الطعام)، أنشأ في ذهنه أول «مجلس أورام متعدد التخصصات» في التاريخ. ورغم أننا، أطباء الأورام اليوم، نعمل بالخرائط الجينية والأدوية الذكية، فإننا نسير في الحقيقة نحو الهدف الأساسي الذي أشار إليه ابن سينا قبل ألف عام: شفاء الإنسان لا المرض.
- Avicenna's Canon of Medicine, Book V (Pharmacopoeia).
- Dietary Recommendations in Traditional Persian Medicine for Cancer.
- Anticancer effects of Cichorium intybus (الهندباء): A review.
هل كان هذا المقال مفيدًا لك؟
تساعدنا ملاحظاتك على تحسين المحتوى.





تعليقات القراء
شارك تعليقك
لا يُنشر اسمك وتعليقك إلا بعد موافقة المسؤول. لا يُعرض بريدك الإلكتروني للزوار مطلقًا.
كن أول من يعلّق.