لماذا ارتبطت بطب الأورام من أعماق قلبي؟ عن الأمل والشفقة والارتباطات

في هذا المقال
طب الأورام من أصعب المهن، فهو يرهق الإنسان عاطفياً وذهنياً. ويتخذ أطباء الأورام كل يوم قرارات صعبة، ويضطرون إلى مناقشة تلك القرارات مع مرضى يقاتلون من أجل حياتهم.
ومع ذلك، يقول كثير من أطباء الأورام إنهم يحبون عملهم لهذا السبب، أو رغم هذا الوضع. وأُجريت مقابلات مع أربعة عاملين في مجال الأورام لمعرفة لماذا يجدون عملهم مُرضياً إلى هذه الدرجة.
مواصلة الطريق بعد المأساة
في عام 2007، شخّصت اختصاصية الأورام الطبية، الطبيبة باتريشيا ريتش، إصابة ابنها فيل، البالغ 23 عاماً، بابيضاض الدم. وبعد أن فقدت ريتش فيل عام 2009، إثر خضوعه لعمليات زرع نخاع عظم عديدة، فقدت شريكها توني بسبب خراج دماغي بعد ستة أشهر فقط.
كيف يمكن لطبيبة أورام أن تظل محبة لعملها إلى هذا الحد أمام خسائر مدمرة كهذه؟
تقول ريتش، المتخصصة في علاج سرطان الرئة في City of Hopa بأتلانتا: «بالنسبة لي، محبة طب الأورام والشعور بثقل المأساة عاطفتان متداخلتان لا تنفصلان. وعندما يتعلق الأمر بالانتصارات والمآسي، يعيش أطباء الأورام غالباً عند أقصى حدود التجربة الإنسانية؛ تنحنون تحت الضربات التي تتلقونها، لكنكم لا تنكسرون."
كانت لريتش خبرة وأسلوب حياة يمكّنانها من تلقي الضربات دون الانهيار ومواصلة طريقها مهما كانت الظروف. وتتذكر أنها كانت تنام وسط أصوات بنادق الصيد والقنابل أثناء نشأتها في الأرجنتين خلال الحرب في عقد 1970، ولم تكن قد تجاوزت العشرين عندما هاجرت مع أسرتها إلى الولايات المتحدة.
التحقت ريتش، وهي أم لأربعة أطفال، بكلية الطب في جامعة ميامي لتحقيق حلم طفولتها. وكانت قد كوّنت أولى ذكرياتها عن معنى أن تكون طبيبة، وهي فتاة صغيرة تعطي الأطفال لقاح شلل الأطفال على مكعبات السكر في المستوطنات غير الرسمية في بوينس آيرس. وخلال دراستها الطبية، كانت واثقة من أن طب الأطفال سيكون خيارها الوحيد، لكن ذلك تغير عندما التقت خلال تدريبها في الأورام امرأة شابة مصابة بسرطان المريء.
عندما التقت ريتش المرأة الشابة، أدهشها مقدار الحزن والوحدة الباديين عليها. وما إن عانقتها لتخفف عنها قليلاً حتى بدأت المريضة تبكي. وحين حاولت ريتش الاعتذار في هلع ظناً أنها ارتكبت خطأ، قالت: «بينما كنت أحاول تركيب جملة، كانت المريضة تقول وسط نحيبها إنها سعيدة وإن أحداً لم يلمسها منذ تشخيص إصابتها بالسرطان كما أخبرتني. وفي تلك اللحظة أدركت كم أحب طب الأورام، وكانت تلك رسالة لي."
اكتسبت المشاعر التي أحست بها ريتش عندما عانقت المرأة بدافع الشفقة معنى عميقاً حين تذكرت أوقاتها في رعاية ابنها. وقالت إن هذه التجربة أظهرت لها أهمية التعاطف والعلاقة الصادقة في الرعاية الصحية، وشعرت بأنها تستطيع منح مرضاها القوة والأمل بالنهج الصحيح.
تقول ريتش: «تشكل رحلة فيل ووجوده أساس الطريقة التي أتعامل بها مع رعاية المرضى،» وأضافت: «جعلني ابني طبيبة أورام أفضل."
الكفاح من أجل التعاطف
كانت جوديث ألبرتو تعمل في الصيدلة منذ 20 عاماً عندما وجهتها «تجربة مروعة» نحو طب الأورام.
في عام 2005، عندما تفاقمت شكاوى والدتها البالغة 58 عاماً المتعلقة ببعض المشكلات الذهنية، أخذتها شقيقة ألبرتو إلى قسم الطوارئ في مستشفى تعليمي جامعي. وبعد خضوع الأم للتصوير المقطعي، دخل الفني وهو يضحك ضحكة مكتومة، وسأل بوقاحة: «منذ متى لديك ورم في الدماغ؟"
قُدر للمرأة التي شُخّصت بالورم الأرومي الدبقي أن تعيش تسعة أشهر. ولم تستطع ألبرتو نسيان كيف لم تستجب الممرضات لنداءات المساعدة أثناء نوبات القيء والصداع النصفي الذي لا يُحتمل، وكيف نسين إعطاء الستيرويدات لتخفيف وذمتها، طوال فترة إقامة والدتها في المستشفى بعد الجراحة.
دفع هذا الإهمال ألبرتو إلى نقل والدتها إلى مركز سيدني كيميل للسرطان التابع لـ Jefferson Health في فيلادلفيا. وتأثرت ألبرتو كثيراً بحسن معاملة والدتها إلى درجة أنها تقدمت للوظائف الشاغرة في صيدلية الأورام بالمستشفى.
على مدى 12 عاماً عملت خلالها في Jefferson Health، كانت تستذكر والدتها يومياً وهي تؤسس فريقاً من صيادلة الأورام يكرس جهده لمعالجة المرضى بتعاطف.
تقول ألبرتو، التي أصبحت مؤخراً مديرة المبادرات السريرية في Community Oncology Alliance: «لمرضى السرطان مكانة خاصة جداً عندي. وسأفعل كل ما أستطيع لمساعدتهم."
كانت ألبرتو تشجع فريقها على تخصيص وقت للحديث مع المرضى، وإمساك أيديهم عندما يحتاجون إلى المواساة، والتأكد من معرفتهم أن الفريق سيعتني بهم وسيفعل كل شيء لجعل رحلتهم سلسة قدر الإمكان.
تقول ألبرتو: «أنا مرتبطة بطب الأورام من أعماق قلبي، بسبب تحدياته وبسبب ما أشعر به من كل الخير الذي فعلته ويمكنني فعله. نستطيع إحداث فرق في حياة المرضى، وهذا مُجزٍ حقاً» كما تضيف.
استلهام المرضى
في عام 2019، تسلق اختصاصي أمراض الدم والأورام نور الدين جوما جبل كليمنجارو. وبينما كان يكافح البرد القارس لبلوغ القمة، كان يفكر في التحديات التي يواجهها مرضاه.
يقول جوما، الذي يعمل في مركز فلوريدا للسرطان ذي الفروع المنتشرة في أنحاء الولاية: «فكرت بأن هذا لا يُذكر مقارنة بما يعيشه المرضى.”
ابتعد جوما عن طب الأورام في البداية ظناً منه أنه سيجعله مكتئباً. لكن رأيه تغير تماماً أثناء تدريبه في الأورام.
كان يندهش من بقاء كثير من المرضى متمسكين بالأمل حتى في مواجهة التشخيص والعلاجات الصعبة. وكان يستمتع بتفاعلاته معهم إلى درجة أنه صُدم في اليوم الأول عندما نظر إلى جهاز النداء واكتشف أن الساعة تجاوزت السادسة بالفعل. كانت تلك أول مرة خلال تدريبي يمر يوم لا أنظر فيه إلى جهاز النداء لأعرف كم بقي حتى نهاية اليوم. لقد مر الوقت كالماء.
كان مريض بسرطان الرئة يحاول الاعتياد على الكرسي المتحرك ويجد صعوبة في التنفس. وأُعطي للعلاج إرلوتينيب، وهو دواء على شكل حبة اعتُمد حديثاً. وبعد ستة أسابيع، حضر المريض إلى المستشفى ماشياً. وأقنعت هذه المشاهد واللحظات التي عاشها جوما بأن يصبح طبيب أورام.
رغم أن جوما كان يشعر بالرضا لمعرفته أنه يستطيع مساعدة مرضاه، فإنه كان ممتناً أيضاً للفارق الذي أحدثه المرضى في حياته. وقال: «أتعلم الكثير من مرضاي؛ فقد علموني مثلاً ترتيب الأولويات وعدم التوقف عند الأمور الصغيرة، وأن القوة المعنوية أهم بكثير مما كنت أعتقد."
اللمسة المشتركة للتكنولوجيا والمشاعر
يتذكر الدكتور روبرت جين كيف وجهه الخوف من السرطان الذي عاشه بعمر 17 عاماً نحو طب الأورام.
لاحظ جين تورم العقد اللمفاوية في رقبته وذهب إلى الطبيب، فأخبره بأنه قد يكون مصاباً بالسرطان. وكان جين متردداً في إخبار أسرته لأنه لم يرد إثارة قلقها.
رغم أن فحوص الدم أكدت عدم وجود حالة مرتبطة بالسرطان، كانت التجربة التي عاشها صادمة بالنسبة لجين. وقال: «لم أكن أعرف أي شيء عن طب الأورام قبل ذلك، لكن اهتمامي بالسرطان ازداد بعد التجربة التي عشتها."
اهتم في البداية بأبحاث السرطان القائمة على المختبر. وركز خلال دراسته الجامعية على الكيمياء وعلم الأحياء الخلوي. لكنه أدرك مقدار استمتاعه بالتفاعل مع المرضى عندما تطوع للعمل في قسم علاج الأورام بالإشعاع. وتأثر بشجاعة المرضى وشفقة العاملين في العيادة.
كان جين، وهو ابن أسرة مهاجرة صينية، قد شهد أثناء عمله في متجر أسرته في تشاندلر بأريزونا سلوك والديه المتفهم والسخي تجاه الزبائن. وكان أبوه يوصل بسيارته الزبائن الذين لا يملكون سيارات إلى بيوتهم، ويجلب الطعام لجيرانه الجائعين. وكانت أمه تسجل المشتريات ديناً على من لا يستطيعون الدفع. لقد تركت هذه اللفتات المراعية أثراً كبيراً في نفسي.
يقول جين، الذي يعمل في أريزونا للأورام بتوسون، موضحاً حبه الخاص لعلاج الأورام بالإشعاع: «تلمسون حياة المرضى بالجمع بين التكنولوجيا التي تتلاقى فيها الرياضيات والفيزياء، والمشاعر الإنسانية مثل التعاطف والشفقة."
يتابع جين بحماس تطور علاجات مثل العلاج الإشعاعي التجسيمي للجسم، الذي يقدم علاجاً قوياً بأدق الجرعات مع تقليل الآثار الجانبية، ويقول: «الحسابات التي نجريها لتحديد الجرعة تغير جودة حياة المرضى مباشرة."
يقول جين إنه عندما يبني علاقات مع المرضى يتذكر الخوف الذي شعر به حين واجه السرطان في صغره، ويضيف: «أستطيع وضع نفسي مكانهم والتعاطف مع ما يعيشونه، وأتعامل مع كل مريض وأعتني به كشخص، وليس كمجرد تشخيص."
المصادر
هل كان هذا المقال مفيدًا لك؟
تساعدنا ملاحظاتك على تحسين المحتوى.





تعليقات القراء
شارك تعليقك
لا يُنشر اسمك وتعليقك إلا بعد موافقة المسؤول. لا يُعرض بريدك الإلكتروني للزوار مطلقًا.
كن أول من يعلّق.