الطاعون والحرب والمشرط: تعريف السرطان لدى الجراح الناجي من الموت الأسود Guy de Chauliac

في هذا المقال
اليوم 41 (سلسلة تاريخ السرطان في 365 يومًا)
عندما حل جراحون أنهكهم الطاعون محل المعالجين الغامضين، أُعيد تعريف السرطان بوصفه «سمًا محترقًا» و«وحشًا محظور اللمس».
بحثنا أمس مع القديسة Hildegard von Bingen على ضفاف الراين الضبابية عن جذور السرطان المتسللة. واستشعرت Hildegard أن المرض يبدأ باضطراب كيمياء الجسم الداخلية. لكن مع وصولنا إلى القرن 14، كان الظلام المخيم على أوروبا كثيفًا إلى حد سيحل معه واقع الموت البارد محل الرؤى الغامضة.
كان العام 1348. وعندما ضرب Avignon وباء «الموت الأسود»، أي الطاعون الذي قضى على ثلث سكان أوروبا، اختار كبير أطباء البابا Clement VI، Guy de Chauliac،البقاء، خلافًا لمن هربوا خوفًا.
كتب Chauliac، العائد من حافة الموت، بتلك الخبرة القاسية في 1363 أعظم تحف الجراحة في العصور الوسطى، Chirurgia Magna،أي «الجراحة الكبرى». وكان هذا المؤلف إعلانًا تاريخيًا أن الجراحة فرع علمي، وليست حرفة فقط.
حمض يغلي في الجسم: الصفراء «المحترقة» وطبيعة السرطان الكاوية
أضاف Guy de Chauliac عدوانية جديدة إلى نظرية «الصفراء السوداء» القادمة من اليونان القديمة عند تفسير سبب السرطان. فوفق رأيه، لم يكن السرطان مجرد تراكم سائل؛ بل كارثة تصنعها الصفراء السوداء المحتبسة في الجسم و «المحترقة» (adust) والمتعفنة.
وفق Chauliac، تُجذب هذه السوائل الخبيثة إلى منطقة، مثل الثدي، وتسخن هناك وتكتسب «طبيعة سامة حمضية». وبتعريفه، كان السرطان يستهلك النسيج من الداخل كحرق حمضي يغلي في سوائل الجسم الذاتية.
تسمية الوحوش المجهولة: ذئب الساقين ومحظور اللمس في الوجه
أكبر مساهمات Chauliac العملية في تاريخ الأورام تصنيف الآفات بحسب مواضعها التشريحية ووحشيتها:
أحدّ المشارط: شجاعة جراح يعرف التوقف
كان لدى Chauliac سبب حيوي لتسمية سرطانات الوجه «Noli me tangere»، أي «لا تلمسني!»: فقد أكد بخبرته السريرية ذلك القانون الشهير الذي وضعه أبقراط قبل قرون. فإذا تدخلتم جزئيًا بالسكين في سرطان الوجه هذا، فلن تفعلوا إلا زيادة تهييجه وتدمير وجه المريض بألم مروع.
كان Chauliac ماهرًا بما يكفي ليعرف متى يستخدم مشرطه، وصادقًا بما يكفي لقبول حدوده. وإذا تعذر الاستئصال الجذري للورم، كان يشترط، بدلًا من قتل المريض عبثًا على الطاولة، استخدام مراهم مسكنة للألم في الرعاية التلطيفية. وكان هذا أحد أول النهج المنهجية المتمحورة حول «جودة الحياة» في علم الأورام.
الأسرار المظلمة تحت الجلد: نحو الثورة التشريحية
كان Guy de Chauliac بطلًا متعبًا مزق غطاء العصور الوسطى المظلم. وبلغ قمة عصره في قراءة المرض من الخارج. لكنه شعر أن سر السرطان الحقيقي مخفي «في الداخل»، في أعماق الأعضاء.
لهزيمة المرض، كان يلزم فعل شيء مُنع لأكثر من ألف عام: النظر إلى داخل جسم الإنسان، إلى تلك الدهاليز المظلمة. وكان شوق Chauliac للتشريح بشيرًا بالمحطة الكبرى التالية للطب.
إرث في علم الأورام: صدى جراحي لمبدأ «أولًا، لا تضر»
تحذير Guy de Chauliac في القرن 14، «Noli me tangere»، أساس ضمير علم الأورام الحديث. وتوجه الجراح إلى الرعاية التلطيفية ووضع مشرطه جانبًا عندما يدرك عدم قدرته على إفادة المريض من أعظم صور النضج الأخلاقي في تاريخ الجراحة.
الطب فن معرفة «ما لا ينبغي فعله» أيضًا، وليس «ما نستطيع فعله» فقط. وغدًا سنحل ضيوفًا على طاولة تشريح بولونيا، حيث فُتح جسم الإنسان أكاديميًا لأول مرة بعد قرون، في تلك الثورة الكبرى التي حلم بها Chauliac أيضًا.
المصادر وقراءات إضافية
- 1. McVaugh, M. R. (1997). Guy de Chauliac: Inventarium sive Chirurgia Magna. Leiden: Brill.
- 2. Demaitre, L. (1998). "Medieval Notions of Cancer: Malignancy and Metaphor." Bulletin of the History of Medicine.
- 3. Skuse, A. (2021). Constructions of Cancer in Early Modern England. Palgrave Macmillan.
هل كان هذا المقال مفيدًا لك؟
تساعدنا ملاحظاتك على تحسين المحتوى.





تعليقات القراء
شارك تعليقك
لا يُنشر اسمك وتعليقك إلا بعد موافقة المسؤول. لا يُعرض بريدك الإلكتروني للزوار مطلقًا.
كن أول من يعلّق.