فقدان الكروموسوم Y لدى الرجال وعلاقته اللافتة بالسرطان

في هذا المقال
وجد العلماء أن إحدى النتائج الشائعة للشيخوخة لدى الرجال، وهي فقدان الكروموسوم Y، قد يساعد الخلايا السرطانية على الهروب من جهاز المناعة في الجسموبذلك قد تؤدي إلى سرطان مثانة شرس. لكن هذه الحالة قد تجعل المرض أيضًا، تجاه العلاجات المسماة مثبطات نقاط التفتيش المناعية والتي تُعد من العلاجات المناعية، أكثر استجابة وحساسية. وقد ظهرت هذه النتائج في 21 يونيو 2023، في Nature ضمن دراسة حديثة نشرها Abdel-Hafiz وفريقه في المجلة.
الكروموسوم Y، هو العامل الرئيسي الذي يحدد الجنس البيولوجي للفرد. ولدى البشر، تمتلك النساء كروموسومي X، بينما يمتلك الرجال كروموسوم X واحدًا وكروموسوم Y واحدًا. ويحتوي Y على جينات تحدد تطور الصفات الجنسية الذكرية ونمطها الظاهري (سمات المظهر). فمثلًا، يُعد جين SRY الموجود عليه عاملًا حاسمًا للتطور الجنسي الذكري. ويحتوي Y عادة على عدد قليل من الجينات. فبينما يحتوي X على آلاف الجينات، يحتوي Y على 50-60 جينًا فقط. لكن يُعتقد أن كثيرًا من جينات Y هذه ترتبط بأمراض عديدة متعلقة بالجنس، خصوصًا لدى الرجال. كما أنه مهم لتتبع الأنماط الفردانية الوراثية واستخدامها في دراسات الوراثة التطورية. وينتقل من الأب إلى الابن ولا يتغير عادة، ما يتيح استخدامه لتتبع الأصل الوراثي والهجرة.
أهمية الدراسة
نظرًا إلى تعقيد الآليات الخلوية والعوامل الوراثية، تتقدم تطورات علاج السرطان عادة بخطوات صغيرة. لكن هذه الدراسة تقدم اختراقًا مهمًا نحو فهم كيفية مساعدة فقدان الكروموسوم Y لدى الرجال الخلايا السرطانية على الهروب من جهاز المناعة، وكيفية تأثيره بالتالي في الحساسية للعلاج. ويلزم فهم أفضل لهذه التغيرات الوراثية وآثارها في علاج السرطان لتطوير نهج علاجية أكثر فعالية.
ما كان معروفًا قبل هذه الدراسة
مع تقدم الرجال في العمر، تفقد بعض خلاياهم الكروموسوم Y، وقد يؤثر ذلك سلبًا في قدرة الجسم على مكافحة السرطان. وقد لوحظ فقدانه في أمراض القلب والأوعية الدموية ومرض ألزهايمر، وفي سرطانات المثانة بنسبة تتراوح بين %10 و%40.
تستطيع العلاجات المناعية من فئة مثبطات نقاط التفتيش المناعية، وهي أحد النهج الأساسية لعلاج سرطان المثانة، إعادة تنشيط الخلايا التائية لمساعدة الجسم على مكافحة السرطان.
تقيم هذه الدراسة صلة لم تُقم من قبل بين فقدان الكروموسوم Y واستجابة جهاز المناعة للسرطان. واكتشف الفريق أن فقدانه يسمح لخلايا سرطان المثانة بالهروب من جهاز المناعة والنمو بشراسة كبيرة.
رغم أن المريضات لا يمتلكن الكروموسوم Y، فقد تكون لهذه النتائج الجديدة تبعات لهن أيضًا. ويحتوي Y على مجموعة من الجينات لها على الكروموسوم X، الذي قد يؤدي دورًا لدى النساء والرجال معًا، نظائر تسمى الجينات النظيرة الناتجة عن التضاعف وهي مجموعة الجينات المقصودة.
الجينات النظيرة الناتجة عن التضاعف جينات موجودة في جينوم النوع نفسه، ونشأت تطوريًا نتيجة تضاعف جين. أي إنها تشير إلى أن جينًا تضاعف في وقت ما، ثم تغيرت نسخته المتضاعفة مع الزمن واكتسبت وظيفة مختلفة. وتكون وظائفها عادة متشابهة، لكنها ليست متطابقة تمامًا.
يلزم مزيد من التفصيل حول معنى هذه العبارة عن الكروموسوم Y. فكثير من الجينات الموجودة عليه لدى البشر لها نظائر على الكروموسوم X أيضًا. وهذه النظائر تكون عادة جينات ناتجة عن التضاعف، وتوجد لدى الرجال على كل من X وY.
لكن لأن النساء يمتلكن كروموسومي X، بينما يمتلك الرجال X واحدًا وY واحدًا، فقد يسبب فقدان جينات Y لدى الرجال آثارًا وراثية وبيولوجية لا تستطيع عادة الجينات النظيرة على X تعويضها. ويوضح ذلك اختلاف آثار تغير وراثي محدد بين الرجال والنساء. ولأن النساء لا يمتلكن Y، فلا يوجد أثر مباشر لفقدان جيناته، لكن عمليات وراثية أو أمراضًا مشابهة قد تؤثر عبر الجينات النظيرة على X.
الفكرة العامة الكامنة وراء هذه العبارة هي أن فقدان الكروموسوم Y وآثاره في جهاز المناعة قد تكون لهما آثار بيولوجية لدى النساء أيضًا، ربما عبر تفاعلات الجينات النظيرة على X. لكن هذا مجال لا يزال قيد البحث في علم الوراثة ولم يُحسم. ولذلك، عندما نقول إن لـ Y تأثيرًا محتملًا لدى النساء، فقد يحدث بطرق محددة جدًا وربما غير متوقعة.
معدل سرطان المثانة لدى الرجال أعلى بنحو 3-4 أضعاف منه لدى النساء. تشير الدراسة موضوع مقالنا إلى أن فقدان الكروموسوم Y يسهم في زيادة شيوع سرطان المثانة لدى الرجال.
نتائج الدراسة
يحتوي الكروموسوم Y على «مجموعات تعليمات» (blueprints) لجينات معينة. ويعني مصطلح Blueprint عادة خطة أو نموذجًا. وبلغة علم الأحياء، يشبه كل جين مخططًا أو مجموعة تعليمات تحدد بنية بروتين أو منتج وراثي آخر ووظيفته.
درس الباحثون بعناية كيفية التعبير عن هذه الجينات في الخلايا الطبيعية للطبقة الداخلية للمثانة. وبناء على التحليل، أنشؤوا نظام تسجيل نقاط لتحديد فقدان Y في الأورام، بهدف المساعدة على تخصيص علاج الرجال المصابين بسرطان المثانة. وقد يساعد هذا النظام على تخصيص الاستجابات لمثبطات نقاط التفتيش المناعية وتدبيرها بصورة أكثر فعالية.
ثم فحص الباحثون بيانات مجموعتين من المرضى:
- رجال مصابون بسرطان مثانة غازٍ للعضلة (منتشر إلى الطبقة العضلية) خضعوا لاستئصال المثانة، لكنهم لم يُعالجوا بمثبطات نقاط التفتيش المناعية، و
- مرضى شاركوا في تجربة سريرية وعولجوا بمثبطات نقاط التفتيش المناعية.
وجدوا أن المرضى الذين فقدوا الكروموسوم Y كان مسار المرض لديهم أسوأ في المجموعة الأولى، وكانت معدلات بقائهم الكلي أفضل بكثير في المجموعة الثانية.
لمعرفة سبب ذلك، قارن الباحثون معدلات نمو خلايا سرطان المثانة باستخدام فئران المختبر. ونمّوا الخلايا السرطانية في وعاء لا تتعرض فيه للخلايا المناعية، وفي فئران تفتقر إلى الخلايا التائية. وفي الحالتين، نمت الأورام المحتوية على Y والفاقدة له بالسرعة نفسها. أما لدى الفئران ذات الجهاز المناعي السليم، فنمت الأورام الفاقدة لـ Y أسرع بكثير من المحتوية عليه. واقترح ذلك أن فقدانه يساعد على الهروب من جهاز المناعة.
رؤيتنا فرقًا في معدل النمو عندما يدخل جهاز المناعة في العمل هي مفتاح تأثير «فقدان Y» في سرطان المثانة. وتُظهر هذه النتائج أن الخلايا، عندما تفقد Y، تُنهك الخلايا التائية، وأن الورم ينمو بشراسة عندما لا توجد خلايا تائية لمكافحة السرطان.
تشير بيانات أولية من دراسة أخرى لم تُنشر بعد إلى أن فقدان الكروموسوم Y قد يجعل سرطانات البروستاتا أكثر شراسة أيضًا.
كيف يُقاس فقدان الكروموسوم Y؟
قِيس فقدان الكروموسوم Y في هذه الدراسة بتقنيات مثل الدراسات الوراثية والنسخومية، وتحليلات قياس التدفق الخلوي، وتسلسل RNA أحادي النواة، وتقييم البروتيوميات المكانية. وهذه طرق بحث طبية حيوية شائعة لقياس التغيرات على المستوى الوراثي والبروتيني.
تشير هذه الدراسة إلى إمكانية استخدام فقدان الكروموسوم Y، خصوصًا في الحساسية للعلاج المناعي، بوصفه أحد الواسمات الحيوية الممكن استخدامها لهذا الغرض وفق النتائج. لكن تحقيق هذه الإمكانية يتطلب مزيدًا من الأبحاث والدراسات.
ختامًا، نعتقد أن فقدان الكروموسوم Y استراتيجية تكيف طورتها الخلايا الورمية للهروب من جهاز المناعة والبقاء حية داخل أعضاء متعددة. ويسهم هذا التقدم المثير في فهمنا الأساسي لبيولوجيا السرطان، وقد تكون له آثار واسعة جدًا في علاجه مستقبلًا.
المصادر
هل كان هذا المقال مفيدًا لك؟
تساعدنا ملاحظاتك على تحسين المحتوى.





تعليقات القراء
شارك تعليقك
لا يُنشر اسمك وتعليقك إلا بعد موافقة المسؤول. لا يُعرض بريدك الإلكتروني للزوار مطلقًا.
كن أول من يعلّق.