الموت الصاعد من المدخنة: بيرسيفال بوت وأطفال السخام والوجه البيئي للسرطان

في هذا المقال
اليوم 61 (سلسلة تاريخ السرطان في 365 يوماً)
اكتشاف أول مسرطن في التاريخ: مأساة تمتد من مداخن لندن المظلمة في القرن 18 إلى أعظم لحظات استنارة علم الأورام.
1. عالم «الأطفال المتسلقين» المظلم
في لندن القرن 18، غطى دخان الفحم السماء. ولم يكن تنظيف المداخن الضيقة عملاً يستطيع البالغون القيام به. لذا شُغّل صبية صغار من دور الأيتام بعمر 4 إلى 8 سنوات بوصفهم «أطفالاً متسلقين».
كانوا يعملون عراة تماماً لتجنب الاحتشار في المداخن، وتُطلى ثنيات أجسامهم كلها بسخام الفحم (القطران). وكان الاغتسال ترفاً، وغالباً قضوا سنواتهم نائمين على تلك الأكياس الملوثة بالسخام.
2. من ثؤلول السخام إلى السلطعون القاتل
انتظرت نهاية خفية أولئك الذين كبروا دون أن يختنقوا في المداخن. فالسخام السام المتراكم سنوات على جلدهم غير المغسول، خصوصاً في ثنيات كيس الصفن، سبب أولاً التهاب جلد عنيداً.
عندما بلغ منظفو المداخن السابقون العشرينيات من أعمارهم (20)، ظهرت قرحة صلبة في الموضع المتهيج. سماها الناس «ثؤلول السخام».
نمت القرحة سريعاً وتحولت إلى سرطان جلدي حرشفي يأكل الخصيتين والأربية، ويقتل المريض بآلام مروعة.
3. دليل بيرسيفال بوت التاريخي (1775)
التقط الجراح المحترم الذي رأى هؤلاء الشباب في مستشفى St. Bartholomew’s بلندن، بيرسيفال بوت، نمطاً هائلاً: جميعهم عملوا منظفي مداخن في طفولتهم.
البحث عن سبب السرطان في الخارج
في مقاله الصادر في 1775، بحث بوت لأول مرة عن سبب السرطان لا في «الصفراء السوداء» أو «لعنة الآلهة»، بل مباشرة في مادة كيميائية واحدة: «السخام». كانت تلك أول لحظة في تاريخ البشرية يُثبت فيها علمياً أن مادة كيميائية خارجية تسبب السرطان.
4. ميلاد علم الأورام البيئي وإمكان الوقاية
أنتج اكتشاف بوت فكرة أن السرطان قد يكون قابلاً للوقاية . فلو اغتسل الأطفال يومياً ولم يبق السخام على جلدهم لما أُصيبوا. وأثرت الدراسة في سن أول قوانين «عمل الأطفال» وقواعد صحة العمال في أوروبا.
سيثبت الباحثون اللاحقون، خصوصاً في عشرينيات القرن العشرين (1920)، مخبرياً أن الجزيئات المسرطنة الأساسية في ذلك السخام هي الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات (PAH) ، مؤكدين صحة بوت.
إذا كانت هذه «السموم» الخارجية تحفز السرطان، فهل السرطان نفسه سم أيضاً؟
غداً (اليوم 62) نذهب إلى فرنسا لنشهد تجربة برنار بيريل «الجامحة» التي حقن فيها كلباً بقيح من سرطان ثدي بشري!
التنقي نصف الاستعادة
تعلمنا مأساة السخام التي رآها بوت في المداخن قبل 250 عاماً أهم دروس الأورام: «الوقاية من السرطان مسار أسدد بكثير من علاجه». ووفق فلسفتنا للاستعادة البيولوجية، يمتلك الجسم نظام إصلاح رائعاً، لكن قصفه المستمر بالمسرطنات، كدخان التبغ والتلوث الصناعي والأسبستوس، يخل بهذا التوازن بصورة لا رجعة فيها.
الإرشاد السديد ليس إعطاء الدواء الصحيح فحسب، بل كشف «المدخنة الملوثة» التي تسمم المريض مبكراً وإبعاده عنها. يمر الشفاء بتنظيف عالم الخلية الخارجي بقدر إصلاح خللها الداخلي. كان حل أطفال بوت «ماءً وصابوناً»؛ أما اليوم فهو بناء حياة خالية من المسرطنات في ضوء العلم.
المراجع العلمية والقراءات الإضافية
- 1. Pott P. Chirurgical Observations Relative to the Cataract... and the Cancer of the Scrotum. London: Hawes, Clarke, and Collins, 1775. (العمل الأصلي).
- 2. Waldron HA. "A brief history of scrotal cancer." British Journal of Industrial Medicine, 1983;40(4):390-401.
- 3. Brown JR, Thornton JL. "Percivall Pott (1714-1788) and chimney sweepers’ cancer." Brit J Industr Med, 1957.
- 4. Mukherjee S. The Emperor of All Maladies: A Biography of Cancer. Scribner, 2010.
هل كان هذا المقال مفيدًا لك؟
تساعدنا ملاحظاتك على تحسين المحتوى.





تعليقات القراء
شارك تعليقك
لا يُنشر اسمك وتعليقك إلا بعد موافقة المسؤول. لا يُعرض بريدك الإلكتروني للزوار مطلقًا.
كن أول من يعلّق.