صعوبة إثبات فائدة اختبارات الكشف المبكر عن سرطانات متعددة – مقال NEJM

نحن على أعتاب تحول كبير في تحري السرطان. فقد شهدت السنوات القليلة الماضية تطورًا متسارعًا لاختبارات تهدف إلى تحري أنواع مختلفة من السرطان في الوقت نفسه، وهي الكشف المبكر عن سرطانات متعددة (MCED (Multi-Cancer Early Detection) اختباراته التي شهد تطويرها طفرة.
تقيس اختبارات MCED مؤشرات حيوية دموية تشمل طفرات الحمض النووي خارج الخلايا ومثيلته وتجزؤه. وحتى الآن، فإن الدراسات المنشورة التي بلغت أبعد مراحل البحث في هذه الاختبارات هي تجارب تدخلية كبيرة غير عشوائية.
*
النص التالي ترجمة لمقال نُشر في 20 مايو 2024 في NEJM المجلة بعنوان "Multicancer Early Detection Tests — Keeping a High Bar for Evidence of Benefit" (اختبارات الكشف المبكر عن سرطانات متعددة — الحفاظ على معيار مرتفع لإثبات الفائدة).
*
إن العصر الجديد الذي تعد به اختبارات MCED جذاب. فبدلًا من إخضاع الناس للتصوير والتنظير وفحوص المسحات للبحث عن أنواع منفردة من السرطان، يمكن استخدام فحص دم يُكرر سنويًا. وقد يبسط هذا النهج عملية تحري السرطان ويسهل الوصول إليها. وبالإضافة إلى السرطانات التي تُجرى لها فحوص تحرٍّ حاليًا، مثل سرطان الثدي وعنق الرحم والقولون والرئة، قد يكشف عشرات أنواع السرطان التي لا توجد لها حاليًا استراتيجية للتحري.
في عامي 2021 و2022، شارك في دراسة NHS-Galleri في إنجلترا أشخاص تراوحت أعمارهم بين 50-77 سنة، يزيد عددهم على 140 ألف مشارك، ضمن تجربة عشوائية مضبوطة لتقييم فعالية اختبار MCED طورته GRAIL. وصُمم الاختبار ليُجرى إلى جانب التحري المعتاد، لا ليحل محله. والهدف الرئيسي للدراسة هو «إظهار انخفاض ذي دلالة إحصائية في معدل حدوث سرطانات المرحلتين III وIV المشخصة في ذراع التدخل مقارنة بذراع الضبط»، ويُنتظر صدور النتائج النهائية في 2026. وكانت هيئة NHS في إنجلترا تخطط في البداية، استنادًا إلى نتائج السنة الأولى من التجربة، لتوسيع الاختبار في 2024 ليشمل 1 مليون شخص، لكنها ألغت هذه الخطة مؤخرًا، مشيرة إلى أن النتائج المبكرة لم تكن مقنعة بما يكفي. ولم يُعلن للجمهور عن المقاييس المحددة التي جرى تقييمها.
أثار هذا التطور دهشة بعض خبراء تحري السرطان. فعلى مدى عقود، كان المعيار المرجعي لتقييم فعالية تدخلات التحري تجربة عشوائية مضبوطة تقيس الوفيات الخاصة بالسرطان. وتستخدم سلطات صحية كثيرة هذا المعيار الصارم عند التوصية بتدخل، لأن تحري السرطان يُجرى لدى أشخاص أصحاء، لن تستفيد غالبيتهم منه، وقد يتعرض بعضهم للضرر.
تقتضي المعايير الدنيا لتطبيق تحري الأمراض، مثل المعايير التي وضعها ويلسون ويونغنر،
- وجود المرض في صورة عديمة الأعراض،
- وأن يستطيع اختبار التحري تحديد المرض عديم الأعراض،
- وأن يحسن علاج المرض عديم الأعراض الإنذار، و
- أن يكون الاختبار قابلًا للتطبيق.
حتى الآن، لم تُحرز تقييمات اختبارات MCED تقدمًا إلا في المعيار الثاني، وهو إثبات قدرتها على كشف السرطانات عديمة الأعراض.
يبدو أن المصالح التجارية تؤثر في معايير الأدلة الخاصة باختبارات MCED. ويجادل أنصارها بضرورة إتمام التجارب العشوائية المضبوطة سريعًا، وألا تكون الوفيات الخاصة بالسرطان مطلوبة كنقطة نهاية رئيسية، لأن توليد بيانات كافية عن النتائج سيستغرق وقتًا طويلًا جدًا. وهناك بعض المبررات المتينة لهذه الحجة، منها التطور السريع للتقنية المعنية. ومن المبررات الأقل إقناعًا أن التجارب العشوائية مكلفة، رغم أن مثل هذه الاستثمارات تستحق عادة المال، وأن الناس يموتون في الأثناء، رغم غياب دليل على أن الاختبارات تستطيع منع هذه النتيجة. وفي الطرف المقابل، يطالب بعض الباحثين باستخدام الوفيات من جميع الأسباب كنقطة نهاية رئيسية لتجارب MCED. ويعكس هذا الاقتراح توقعًا بأن هذه الاختبارات، إن كانت فعالة، قد تخفض الوفيات من جميع الأسباب بسهولة أكبر من تحري سرطان واحد، كما يعكس القلق من أن نتيجة MCED الإيجابية، سواء أكانت إيجابية حقيقية أم كاذبة، قد تؤدي إلى إجراءات تشخيصية متنوعة قد تنتهي بالوفاة.
يرى مؤيدو اختبارات MCED أنه إذا خفض اختبار ما المعدل المطلق لحدوث السرطانات المتقدمة، فمن المعقول افتراض أنه قد يخفض الوفيات المرتبطة بالسرطان. وبالفعل، فإن معدل حدوث السرطان المتقدم نقطة نهاية أكثر متانة من نسبة السرطانات المشخصة في مرحلة متقدمة، التي قد تتأثر بالإفراط في التشخيص وغيره من التحيزات. لكن أبحاث فريقنا أظهرت أن مدى صلاحية معدل حدوث السرطان المتقدم بديلًا للوفيات المرتبطة بالسرطان يختلف باختلاف نوع السرطان، وأنه لا يمكن تقييم ذلك لكثير من الأنواع التي تستهدف اختبارات MCED كشفها. ومن المخاوف التي تدعمها بيانات تجارية أن الاختبارات التي تستخدم DNA خارج الخلايا قد تكشف بصورة تفضيلية سرطانات مبكرة تبدو أنها بدأت الانتشار بالفعل. وفي هذه الحالة قد يبدو أن الاختبار خفض حدوث سرطانات المرحلتين III وIV، لكن كثيرًا من السرطانات التي شُخصت بفضله في المرحلتين I أو II ستظل تحمل خطرًا مرتفعًا للوفاة. ومن الحلول المحتملة لهذا القلق المحدد قياس «المرحلة المعاد تحديثها»، أي احتساب المشاركين الذين كان سرطانهم في البداية في المرحلة I أو II ثم نكس نكسًا متقدمًا ضمن نقطة النهاية الرئيسية لسرطان المرحلة III أو IV.
إلى جانب استخدام نقطة نهاية قائمة على المرحلة، ثمة انحراف آخر في تجربة NHS-Galleri عن تصميم التجربة العشوائية المضبوطة المعتاد: تختلف حالة التعمية، أي معرفة المشاركين بالمجموعة التي وُزعوا إليها، بحسب مجموعة التجربة ونتيجة الاختبار. ولا تُرفع التعمية إلا عن المشاركين في مجموعة التدخل الذين تكون نتيجة MCED لديهم إيجابية. وسيشجع هذا الاختيار التصميمي المشاركين على الحضور لفحوص الدم السنوية، لكنه سيمنع دراسة ظاهرة «الاطمئنان المضلل»، وهي من العيوب المحتملة للاختبار. فبينما يمكن لمن تكون نتيجة تصوير الثدي الشعاعي لديهم سلبية أن يعتقدوا على نحو معقول أنهم غير مصابين بسرطان الثدي، قد يعتقد أصحاب نتيجة MCED السلبية خطأ أنهم غير مصابين بأي سرطان، ويؤجلون التحري المعتاد أو طلب الرعاية عند ظهور أعراض محتملة للسرطان. ولتحديد نسبة الفائدة إلى الضرر، ينبغي للباحثين إبلاغ جميع المشاركين بنتائجهم، لمحاكاة ظروف العالم الواقعي، حيث قد تنشأ الفوائد والأضرار من النتائج الإيجابية والسلبية معًا.
يخطط المعهد الوطني الأمريكي للسرطان لتجربة عشوائية مضبوطة تستطيع تقييم اختبارات MCED متعددة، وتشمل مجموعة ضبط، وتستخدم نقطة النهاية المرجعية، وهي الوفيات الخاصة بالسرطان. وستبدأ المرحلة التجريبية في 2024. وقد تكون هذه التجربة الوحيدة التي تتمتع بقوة إحصائية كافية لتحديد ما إذا كان نهج قائم على MCED يستطيع خفض الوفيات المرتبطة بالسرطان. ومن التهديدات المحتملة أن هذه الاختبارات تُسوّق بالفعل في الولايات المتحدة، ما قد يصعّب العثور على مشاركين مستعدين لقبول التوزيع العشوائي، ويؤدي إلى تلوث مجموعة الضبط بإجراء اختبار MCED.
عند تقييم اختبارات MCED، سيكون من المهم أن تحافظ السلطات الصحية على معيار مرتفع قبل الاستنتاج أن أدلة الفائدة متوافرة. وأعتقد، مستقبلًا، أنه ينبغي ألا تُطبق هذه الاختبارات دون دليل على قدرتها على خفض الوفيات المرتبطة بالسرطان، مستمد من تجارب لا تؤثر فيها الجهات التجارية في القرارات النهائية المتعلقة بالتصميم أو التنفيذ، ولا تشارك في إدارة البيانات أو تحليلها. وعندما يثبت أن اختبار MCED واحدًا على الأقل يخفض الوفيات المرتبطة بالسرطان، قد يصبح ممكنًا أحيانًا إجراء دراسات مقارنة مصممة بعناية لتقييم الاختبارات الجديدة، بدلًا من تجارب عشوائية كبيرة إضافية. وبالمثل، رغم استحالة دراسة فعالية هذه الاختبارات في كل بلد، ينبغي أن تكون البنية التحتية الطبية في السياق الجغرافي المعني متينة بما يكفي لتدبير نتائج الاختبارات كما في التجارب العشوائية الناجحة.
قد ترهق تكلفة اختبارات MCED المسوقة حاليًا الأنظمة الصحية، إذ تبلغ نحو 1000 دولار للشخص لبعض الاختبارات. وتضغط الشركات على الكونغرس الأمريكي لتغطيتها ضمن Medicare. وإن احتمال تطبيقها على نطاق واسع دون تجربة عشوائية مضبوطة تُظهر انخفاض الوفيات المرتبطة بالسرطان يثير القلق، بالنظر إلى الدروس التي تعلمناها بصعوبة بشأن ضرورة تطبيق تحري السرطان بحذر. وتقدم المناقشات حول الإفراط في تشخيص سرطان البروستاتا والدرق والتغيرات في إرشادات تحري سرطان الثدي أمثلة تعليمية. ومع ذلك، فإن السعي لتحويل التطورات الحديثة في التقانة الحيوية إلى أدوات لتحري السرطان هدف قيّم. وعندما تتحول وعود اختبارات MCED بإنقاذ الأرواح إلى واقع، سيحين وقت اجتماع العلماء والأطباء وصناع السياسات والجمهور لضمان نجاح الكشف المبكر عن سرطانات متعددة في الممارسة.
المصادر
هل كان هذا المقال مفيدًا لك؟
تساعدنا ملاحظاتك على تحسين المحتوى.





تعليقات القراء
شارك تعليقك
لا يُنشر اسمك وتعليقك إلا بعد موافقة المسؤول. لا يُعرض بريدك الإلكتروني للزوار مطلقًا.
كن أول من يعلّق.