الخلايا التائية المتسللة إلى الورم وأهميتها في السرطان

في هذا المقال
العلاجات المناعية غيّرت تدبير السرطانات المتقدمة ومصير علم الأورام. لكن ليس كل المرضى يحققون فائدة سريرية طويلة الأمد من هذه العوامل. خلايا T هي الوسائط الرئيسية للمناعة المضادة للأورام، وتؤدي دورًا محوريًا في الاستجابة للعلاجات المناعية. ومع ذلك، ورغم التطورات العلاجية المهمة، فإننا لم نفهم بعد بالكامل، عبر أنواع الأورام المختلفة، خلايا T المرتشحة / المتسللة إلى الورم من حيث خصائصها ووظائفها وكيف تؤثر هذه الخلايا في النتائج السريرية المترتبة على المرض، وهي جوانب ما زالت تحتاج إلى فهم كامل.
في السنوات الأخيرة، أتاحت تحليلات تسلسل RNA أحادي الخلية (scRNA-seq) منظورًا غير مسبوق للتركيب الخلوي وخصائص الأورام المختلفة و الخلايا المناعية التي تتسلل إليها.
كشفت دراسات العدوى الفيروسية المزمنة و الميلانوما في نماذج الفئران عن خلايا CD8+ T شديدة الاختلال الوظيفي و"مستنفدة نهائيًا"، إلى جانب مجموعات خلايا T سلفية ووسيطة قادرة على التكاثر والتمايز.
كما كشفت الدراسات على أنواع الأورام البشرية، مثلًا، دور خلايا CD8+ T السلفية في الاستجابة للعلاج المناعي لدى مرضى الميلانوما، وتطور خلايا T لدى مرضى سرطان الخلايا الكلوية.
لكن الأنماط الظاهرية لخلايا T ومجموعاتها المتكررة في أنواع الأورام المختلفة بقيت غير موصوفة إلى حد كبير. ولذلك فإن وصف البنى المناعية غير المتجانسة للأورام، الذي أجراه Liangtao Zheng وفريقه من جامعة بكين ونُشر في NEJM، وهو توصيف حديث وشامل، كان تطورًا مطلوبًا ومرغوبًا فيه وخطوة جيدة في هذا المجال.
نظرة عميقة إلى مناعة الأورام
دمج Zheng وفريقه، من عينات 316 مريضًا، بيانات 397 ألف خلية T متسللة إلى الورم أو متداولة، مستخلصة بتحليل scRNA-seq، مع بيانات مستقبلات خلايا T إن توفرت، وأنشأوا عبر 21 نوعًا من السرطان أطلسًا شاملًا للسرطانات.
وجد الباحثون تنوعًا كبيرًا في الأنماط الظاهرية لخلايا CD8+ T وCD4+ T في الأورام. وبين خلايا CD8+ T، كانت 4 مجموعات ذات نمط ظاهري مستنفد غنية الوجود في الأورام.
من خلال الاستدلال الحاسوبي لمسار تمايز الخلايا، حدد الباحثون، في معظم أنواع السرطان، من تنشيط خلايا T الساذجة حتى الاستنفاد النهائي لخلايا CD8+ T، مسارين محتملين؛
- كان المسار الأول يمر عبر مجموعة خلايا T الذاكرية المؤثرة الإيجابية لـRNA المرسال (mRNA) الخاص بـGZMK (gran-zyme K)،
- بينما مر المسار الثاني عبر مجموعة خلايا T الذاكرية المقيمة في النسيج (Tm)، الإيجابية لـmRNA الخاص بـZNF683 (zinc finger 683).
وُجدت هذه المسارات الواسعة في معظم أنواع السرطان، لكن الأورام الفردية فضّلت كلا المسارين. وكما توقع فريق الدراسة، حُدِّدت مسارات إضافية خاصة بنوع السرطان تؤدي إلى استنفاد خلايا T.
كما استدل Zheng وفريقه حاسوبيًا على خلايا CD4+ T وفيرة في نسيج الورم، يُحتمل تفاعلها معه، وتشمل خلايا إيجابية لـmRNA الخاص بـINFG (إنترفيرون غاما) من خلايا T المساعدة الجريبية/المساعدة من النوع 1 (Th1) ، وخلايا إيجابية لـmRNA الخاص بـTNFRSF9 (العضو 9 في العائلة الفائقة لمستقبلات عامل نخر الورم)، من الخلايا التنظيمية. وترافقت مجموعات خلايا CD4+ T هذه مع مجموعات خلايا CD8+ T داخل الورم، ولوحظ أن وحدة خلايا T هذه تستجيب لإنترفيرونات النوع 1 ولعامل النمو المحوِّل β. وتشير هذه النتيجة إلى دور البيئة الدقيقة للورم في تشكيل النمط الظاهري لخلايا T المتسللة. وانطلاقًا منها، حدد الباحثون خصائص سريرية (مثل مؤشر كتلة الجسم) وخصائص جسدية للورم (عبء الطفرات الورمية وطفرة FAT1) أثّرت في تركيب الخلايا الورمية المتسللة.
وأخيرًا، بتحليل تركيب خلايا T عبر جميع الأورام، حددوا 2 من المجموعات الرئيسية للأورام؛
- إحداهما غنية بخلايا T الذاكرية، و
- الأخرى غنية بخلايا CD8+ T.
في مجموعات بيانات خارجية، ارتبطت الأورام الغنية بخلايا CD8+ T بسوء بقاء المرضى وانخفاض الاستجابة لحصار PD-1 (العلاج المناعي) لدى مرضى الميلانوما.
الشكل 1: رسم خريطة البيئة المناعية الدقيقة للسرطان
A العمود: تستخدم الأبحاث العلمية في مجال المناعة والأورام العينات الحيوية المأخوذة من المرضى لتحسين الفهم الآلي للبيولوجيا المناعية للأورام البشرية، بهدف تطوير علاجات جديدة. وقد نشر Zheng وفريقه مؤخرًا خريطة شاملة للسرطانات لخلايا T المتسللة إلى الورم.
العمود B: باستخدام تحليلات تسلسل RNA أحادي الخلية، وصفوا مسارات متعددة محفوظة تؤدي إلى خلايا CD8+ T المستنفدة نهائيًا، وصلة بين التغيرات الجسدية وغيرها من خصائص البيئة الدقيقة ومجموعات خلايا T المحددة، وعلاقة بين الارتشاح المرتفع لخلايا CD8+ T المستنفدة نهائيًا وسوء بقاء المرضى في أنواع متعددة من السرطان. ولتوفير علاجات مناعية مكيّفة مع الحالة الجينية والجزيئية للأورام، تشمل "النماذج الأولية" للمناعة النوعية، سيلزم توصيف بيئتها المناعية الدقيقة، مثل تحديد مستضدات الورم، وبيان نوعية خلايا T من النوع نفسه، ورسم المواقع المكانية للمجموعات الخلوية الفردية وأنواع خلايا T.
العمود C: ينبغي استخدام البيانات الناشئة لتطوير طرق تشخيصية ومؤشرات تنبؤية ووسائل تدخل لمرضى السرطان، مثل التوليفات العقلانية للعلاجات المناعية والمقاربات العلاجية الجديدة النوعية للمستضد.
ADC، مقترنات الأجسام المضادة بالأدوية؛ CAR، مستقبل المستضد الخيمري؛ mAB، الأجسام المضادة أحادية النسيلة؛ mRNA، RNA المرسال؛ TCR، مستقبل خلية T؛ Tem، خلية T ذاكرية مؤثرة؛ Tfh، خلية T مساعدة جريبية؛ Th1، خلية T مساعدة من النوع 1؛ Treg، خلية T تنظيمية؛ وTrm، خلية T ذاكرية مقيمة في النسيج.
يمثل هذا النجاح الحاسوبي، رغم صعوبته، خطوة أولى وكبيرة نحو توصيف الأورام لا بحسب خصائصها النسيجية فحسب، بل أيضًا بحسب تركيب الخلايا المناعية فيها.
وفي النهاية، قد يتيح توصيف السمات المناعية المحفوظة (المعروفة بالنماذج الأولية للخلايا المناعية) تطوير مقاربات جديدة تقود إلى علاجات مناعية دقيقة، يمكنها توجيه اختيار علاجات منفردة أو مركبة تستهدف آليات مرضية مناعية محددة، بالتوافق مع العلاجات الموجَّهة إلى المستضدات، وخصوصًا حواتم الورم المستهدفة (الشكل 1).
ومع ذلك، فإن سد الفجوة بين هذا التوصيف الحاسوبي للورم وتحديد خصائص بيئته الدقيقة القابلة للتطبيق يتطلب تحققًا وظيفيًا من التفاعلات ومسارات التمايز المقترحة، ودمج الأنماط الظاهرية الخلوية بطبقات معلومات إضافية.
على المستوى الكيميائي الحيوي، يُعد تعبير RNA واحدًا من عوامل عدة تؤثر وظيفيًا في البروتين. ولإحداث تأثير مضاد للورم، ينبغي أيضًا أن تتعرف خلايا T إلى مستضدات ورمية محددة وتتغلب على التفاعلات الخلوية المثبطة للمناعة. ولذلك سيكون تطوير إطار للمعلومات الوظيفية عن الأهداف المحددة لخلايا T المضادة للأورام، وتفاعلاتها الخلوية ومواقعها المكانية، حاسمًا لفهم أثر المجموعات الفرعية لخلايا T في مسار المرض لدى المرضى وتطوير علاجات مناعية فعالة للسرطان.
يوفر الإطار الشامل للسرطانات لخلايا T المتسللة إلى الورم، الذي وصفه Zheng وفريقه، موردًا تأسيسيًا مهمًا للتوصيفات المستقبلية المبنية على الخصائص المناعية للأورام. وستسهم هذه التحليلات بالتأكيد في الأبحاث المقبلة عن الاستجابة للعلاجات المناعية الحالية وآليات المقاومة الناشئة، وفي تطوير مقاربات علاجية جديدة.
المصادر
هل كان هذا المقال مفيدًا لك؟
تساعدنا ملاحظاتك على تحسين المحتوى.





تعليقات القراء
شارك تعليقك
لا يُنشر اسمك وتعليقك إلا بعد موافقة المسؤول. لا يُعرض بريدك الإلكتروني للزوار مطلقًا.
كن أول من يعلّق.