مخالب السلطعون الخفية: Wilhelm Fabry وسر الإبط وأول جراحة للعقد اللمفية

في هذا المقال
اليوم 49 (سلسلة تاريخ السرطان في 365 يومًا)
يدخل علم الأورام عصرًا جذريًا مع «أبي الجراحة الألمانية»، الذي اكتشف أن السرطان ليس كتلة فحسب، بل انتشار إقليمي.
تحدثنا في اليوم السابق عن كيف أخرج Ambroise Paré العمليات من كونها «إعدامًا» بربط الأوعية بخيوط حريرية. لكن الجراحين بقوا عاجزين؛ إذ كان السرطان ينبت مجددًا من مواضع أخرى في الجسم بعد عمليات ناجحة. وWilhelm Fabry (Fabricius Hildanus) أول طبيب لاحظ أن السرطان ليس مشكلة «موضعية» وحدها، بل «إقليمية»؛ أي إن الورم يمد مخالب متسللة إلى «الغدد» (العقد اللمفية) في الإبط. وتروي هذه المقالة أول صحوة لاستئصال الثدي الجذري الحديث والوعي بالنقائل قبل اكتشاف الخلايا. ويبدأ الشفاء بتتبع أثر الورم.
كانت النساء اللواتي أُجريت لهن جراحة سرطان الثدي يطرقن أبواب الأطباء مجددًا بصلابات جديدة تظهر في جدار الصدر أو الإبط، بعد فترة هدوء ظنن خلالها أنهن تعافين. فلم يكن السرطان مجرد «حجر» ثابت في المنطقة؛ بل كأن له شبكات غير مرئية تمتد إلى أعماق الجسم.
الشخص الذي سيلحظ هذه الشبكات المتسللة ويحقق سبقًا في تاريخ الطب هو من سينال لقب «أبي الجراحة الألمانية» بذكائه وقدرته على الملاحظة وشجاعته الراسخة، Wilhelm Fabry (Fabricius Hildanus, 1560-1634).
«غدد» الإبط: الشهادة الصامتة للعقد اللمفية
في 1598، شهد Wilhelm Fabry إحدى أهم الصحوات في تاريخ الأورام. وأثناء دراسته الدقيقة لحالات سرطان الثدي، لاحظ أن الورم لا ينمو في الثدي فحسب، بل ينفخ الغدد الموجودة في الإبط (العقد اللمفية)، التي تكون عادةً بحجم حبة حمص، ويجعلها صلبة كالحجر.
كان الجراحون قبل Fabry يستأصلون الكتلة الرئيسية التي يرونها فقط، ولا يمسون هذه الصلابات في الإبط، معتبرين إياها «محظورة اللمس». لكن Fabry أعلن تلك الحقيقة التاريخية: «إذا تركتم هذه الغدد المتورمة (النقائل) داخل الإبط، فلا معنى لاستئصال الورم؛ فالمرض سيعود قطعًا!»
أول تنظيف إقليمي: ولادة الجراحة الجذرية
كان Fabry من أوائل الأطباء الذين أدركوا أن السرطان مشكلة «منطقة»، وليس مشكلة موضعية فقط. وفي 1598 أجرى عملية لا مثيل لها في الأدبيات الطبية:
أثناء جراحة الثدي، مد مشرطه إلى الإبط ونظف العقد اللمفية المريضة التي انتقل إليها السرطان واحدة تلو الأخرى. وهذا أحد المبادئ الأساسية لعلم الأورام الحديث.
لم تكن الخلايا والجهاز اللمفي قد وُصفا تحت المجهر بعد؛ لكن Fabry أثبت بـ«استبصار سريري» أن السرطان يسافر في الجسم.
ملاقط Fabry: عبقرية ميكانيكية تستغرق ثواني
في عصر بلا تخدير، تطلب تنظيف منطقة الإبط المليئة بشبكات الأوعية والأعصاب الدقيقة سرعة مذهلة. ولإنجاز هذه العمليات خلال ثوانٍ، اخترع Fabry أداته الجراحية الخاصة التي دخلت التاريخ، أي «ملاقط Fabry». وهذا اختراعه الجراحي.
تخدير موضعي بدائي
عندما كانت هذه الأداة تضغط الثدي من قاعدته كملزمة، كانت توقف النزف فورًا وتقلل إحساس المريضة بالألم بالضغط على الأعصاب. وبالاستقرار الذي توفره الأداة، كان الجراح يستطيع إزالة الورم بحركة واحدة ثم التوجه فورًا إلى الخطر في الإبط.
كانت الغدد المتصلبة التي اقتلعها Wilhelm Fabry من الإبط أوضح دليل على أن السرطان «مسافر» في الجسم. لكن ظل سؤال بلا جواب: كيف يصل السرطان إلى هذه الغدد؟
الشفاء هو رؤية الكل
ترك لنا Wilhelm Fabry إرثًا هو أهم رؤية في علم الأورام: الوعي الإقليمي. رأى قبل قرون أنه لا يكفي حل «المشكلة الكبيرة» اللافتة، بل يجب أيضًا تنظيف «الآثار اللمفية» المخفية في ظلها. وكان نجاحه أن بصيرة الجراح رأت ما لم يره المجهر.
اليوم، بينما نحاول حماية مرضانا من العمليات الكبيرة بطرق مثل «خزعة العقدة اللمفية الحارسة»، فإننا في الحقيقة ننقح فلسفة التنظيف الإقليمي التي بدأها Fabry ونجعلها أدق. فالسرطان ليس حجرًا مقيمًا، بل مسافر متسلل؛ والشفاء محو آثار أقدامه في الوقت المناسب. وغدًا نلتقي في عالم Gaspare Aselli، الذي وجد هذه الطرق الخفية مصادفة أثناء فحص معدة كلب.
المصادر العلمية وقراءة متعمقة
- 1. Bland KI. "The history of breast cancer." The American Journal of Surgery, 1981.
- 2. De Moulin D. A Short History of Breast Cancer. Springer, Dordrecht, 1983.
- 3. Sakorafas GH, Safioleas M. "Breast cancer surgery: an historical narrative." European Journal of Cancer Care, 2009.
هل كان هذا المقال مفيدًا لك؟
تساعدنا ملاحظاتك على تحسين المحتوى.





تعليقات القراء
شارك تعليقك
لا يُنشر اسمك وتعليقك إلا بعد موافقة المسؤول. لا يُعرض بريدك الإلكتروني للزوار مطلقًا.
كن أول من يعلّق.