ثبت أنه ليس مرضًا من صنع الإنسان – اكتشاف السرطان في أحفورة ديناصور

اليوم 1 (سلسلة تاريخ السرطان في 365 يومًا)
تتزايد اليوم المعتقدات الخاطئة بأن السرطان مرض خاص بالعصر الحديث، بل ومن صنع الإنسان. لكن لهذا الاعتقاد جانبًا يمكن فهمه: فرغم التطورات المهمة جدًا في العلم والتكنولوجيا، لا يزال السرطان مشكلة صحية كبرى، ويزداد عبؤه عالميًا... وتكشف الدراسات المتعلقة ببيولوجيا السرطان وأسبابه وآثاره الاجتماعية تعقيد هذا المرض؛ ويكاد يكون من المستحيل تقديم حلول بسيطة له. لكن حقيقة واضحة وضوح الشمس تقف أمامنا: السرطان ليس اختراعًا حديثًا ولا مرضًا بشري المنشأ بالكامل. فقد أظهرت دراسة لاقت صدى واسعًا ونُشرت عام 2020 أن السرطان يعود في الواقع إلى ملايين السنين وإلى العصور الأحفورية، وأنه مرض وُجد حتى لدى الديناصورات. وتُظهر هذه النتيجة بوضوح أن السرطان وُجد عبر التاريخ بوصفه حقيقة بيولوجية وجزءًا أساسيًا من الحياة.
أدى تعاون بإشراف متحف أونتاريو الملكي (ROM) وجامعة ماكماستر في كندا إلى اكتشاف وتشخيص سرطان عظمي خبيث عدواني (الساركوما العظمية) لدى ديناصور للمرة الأولى. ولم يكن قد وُثق من قبل أي سرطان خبيث لدى الديناصورات. ونُشر المقال في 3 أغسطس 2020 في المجلة الطبية The Lancet Oncology.
العظم السرطاني المعني يعود إلى حيوان عاش قبل 76 إلى 77 مليون سنة ، وهو ديناصور ذو قرون من نوع Centrosaurus apertus، والعظم هو الشظية (عظم أسفل الساق).

يتضمن هذا الشكل صورًا متنوعة لشظية ديناصور (عظم أسفل الساق) من زوايا مختلفة، ويعرض تحليل عظم ديناصور يحمل علامات سرطان العظام (الساركوما العظمية):
- A: يوضح مقاطع عيانية مختلفة من النسيج السرطاني، مع إبراز الفروق بين القشرة العظمية الطبيعية والنسيج السرطاني.
- B: يتضمن رسمًا تخطيطيًا للهيكل العظمي للديناصور، ويوضح موضع الشظية المصابة بالسرطان في جسمه.
- C: يتضمن فحوص التصوير المقطعي المحوسب (CT) للشظية بتقنية 3D وإعادة بناء النسيج السرطاني. ويعرض تصورًا بتقنية 3D للنسيج العظمي الطبيعي باللون الأخضر والنسيج العظمي السرطاني باللون الأحمر.
- D وE: يقارن صور النسيج العظمي الطبيعي والسرطاني تحت المجهر. فبينما يتميز النسيج الطبيعي ببنية منتظمة ومتجانسة، يُظهر النسيج السرطاني تراكيب خلوية غير منتظمة وغير طبيعية.
اكتُشفت الأحفورة لأول مرة عام 1989 في متنزه الديناصورات الإقليمي في ألبرتا، وكان يُعتقد بداية أن العظم المشوه بشدة يمثل كسرًا في طور الالتئام.
خلال زيارة إلى متحف رويال تيريل عام 2017، لاحظ عالم الأحافير الدكتور ديفيد إيفانز من ROM، وأستاذ علم الأمراض والطب الجزيئي الدكتور مارك كراوثر واختصاصية أمراض العظام الدكتورة سنيجانا بوبوفيتش من جامعة ماكماستر، السمات غير المعتادة للعظم، وقرروا إجراء مزيد من البحث باستخدام تقنيات طبية حديثة.
جمع الفريق اختصاصيين ومهنيين طبيين من تخصصات متنوعة، شملت علم الأمراض والأشعة وجراحة العظام وعلم الأمراض القديمة.
أعاد الفريق فحص العظام، وشرع في تشخيص السرطان في أحفورة الديناصور كما لو كان يحاول تشخيص ورم لدى إنسان.
يقول الدكتور كراوثر: «كان تشخيص هذا النوع العدواني من السرطان لدى الديناصورات صعبًا، ويتطلب تحديده الصحيح خبرة طبية وتحليلًا متعدد المستويات،» بحسب قوله.
بعد فحص العظام بعناية وتوثيقها وأخذ قوالب لها، استخدم الفريق أدوات قوية لإعادة البناء بالتصوير المقطعي المحوسب ثلاثي الأبعاد لتصور تقدم السرطان داخل العظم.
وباستخدام هذه العملية الدقيقة، شخّص الباحثون الساركوما العظمية.
ولتأكيد التشخيص، قارنوا الأحفورة بشظية طبيعية لديناصور من النوع نفسه، وبشظية بشرية شُخّصت إصابتها بالساركوما العظمية.
تعود العينة الأحفورية إلى ديناصور بالغ مصاب بسرطان متقدم، يُرجح أنه انتقل إلى أجهزة أخرى في الجسم. ويقول الدكتور إيفانز، وهو باحث متخصص في هذه الديناصورات ذات القرون: «يُظهر عظم القصبة سرطانًا عدوانيًا في مرحلة متقدمة. ولا بد أن السرطان أضر بالحيوان بشدة وجعله بالغ الضعف أمام مفترسات التيرانوصور المخيفة آنذاك» بحسب قوله.
"ربما أتاح عيش هذا الديناصور العاشب ضمن قطيع كبير يحميه البقاء مدة أطول مما كان ليستطيعه عادة مع مرض مدمر كهذا."
الساركوما العظمية سرطان عظمي يظهر عادة في العقد الثاني أو الثالث من العمر.
ينشأ نتيجة نمو عظمي غير منتظم، وينتشر سريعًا داخل العظم الذي بدأ فيه وإلى أعضاء أخرى، وأكثرها شيوعًا الرئتان.
يقول الدكتور سيبر إختياري، اختصاصي جراحة العظام في جامعة ماكماستر: «من المثير والملهم أن نرى جهدًا متعدد التخصصات يشبه ما نبذله لتشخيص الساركوما العظمية وعلاجها لدى مرضانا يؤدي إلى أول تشخيص للساركوما العظمية لدى ديناصور» بحسب قوله.
"يذكرنا هذا الاكتشاف بالروابط البيولوجية المشتركة في مملكة الحيوان، ويعزز نظرية أن الساركوما العظمية تؤثر حيث تنمو العظام بأسرع وتيرة وفي تلك الفترات."
تهدف هذه الدراسة إلى وضع معيار جديد لتشخيص الأمراض غير الواضحة في أحافير الديناصورات، وتفتح الباب أمام تشخيصات أكثر دقة ووضوحًا.
سيساعد الربط بين الأمراض البشرية وأمراض الماضي العلماء على فهم أفضل لتطور الأمراض المختلفة ووراثتها.
وقد تظل أدلة أمراض أخرى كثيرة نتشاركها مع الديناصورات والحيوانات المنقرضة موجودة في مجموعات المتاحف، بانتظار إعادة فحصها بالتقنيات التحليلية الحديثة.
المصادر
هل كان هذا المقال مفيدًا لك؟
تساعدنا ملاحظاتك على تحسين المحتوى.





تعليقات القراء
شارك تعليقك
لا يُنشر اسمك وتعليقك إلا بعد موافقة المسؤول. لا يُعرض بريدك الإلكتروني للزوار مطلقًا.
كن أول من يعلّق.