البومة المختبئة في الظلام: جرّاح العصور الوسطى جون أوف أرديرن وولادة الرعاية التلطيفية

في هذا المقال
اليوم 39 (سلسلة تاريخ السرطان في 365 يومًا)
تخيّل جرّاحًا يمتلك الشجاعة، وسط عالم الطب الوحشي في القرن 14، ليضع مبضعه جانبًا ويقول: «إن لم نستطع هزيمة المرض، فلنخفف الألم».
كانت الجراحة في أوروبا العصور الوسطى حرفة مؤلمة وغالبًا مميتة، تُمارَس عادة في ساحات الحروب، دون تخدير أو تطهير. وكان الجرّاحون غالبًا يستأصلون كل كتلة بوحشية أو يكوونها بالحديد المحمّى. لكن في إنجلترا القرن 14 ظهر اسم غيّر هذه الصورة القاتمة، ودخل التاريخ بقلمه ورحمته بقدر ما دخله بمبضعه: جون أوف أرديرن (1307–1392).
اشتهر أرديرن، الذي يُعدّ أبا الجراحة الإنجليزية، ببراعته في علاج النواسير الشرجية التي كانت تنشأ لدى الفرسان بسبب الساعات الطويلة على ظهور الخيل. لكنه أورد في رائعته التي كتبها في عقد 1370، «Practica of fistula in ano» ، تفصيلًا مختلفًا تمامًا سيُسجَّل بأحرف من ذهب في تاريخ علم الأورام: سرطان المستقيم (الجزء الأخير من الأمعاء الغليظة).
قوة الاستعارة: «Bubo» (البومة)
أطلق أرديرن في مؤلَّفه على سرطان المستقيم اسم «Bubo» (البومة باللاتينية)، مستخدمًا استعارة مدهشة وشاعرية في الأدبيات الطبية. لماذا؟ لقد شرح ذلك بكلماته على النحو الآتي:
كانت في المخطوطات الأصلية رسوم صغيرة لبوم رسمها بنفسه إلى جانب السطور التي يصف فيها هذا المرض.
التشخيص: الحقيقة التي تراها الأصابع
كانت الطريقة التي وصفها للتشخيص هي الفحص بالإصبع (المسّ الشرجي)، الذي يشكّل أساس طب المستقيم الحديث اليوم: «على الطبيب أن يُدخل إصبعه في شرج المريض. فإذا وجد في الداخل شيئًا بقساوة الحجر، وكانت هذه القساوة تمنع المريض من التبرز، فهو بوبو بالتأكيد».
«Primum non nocere»: معرفة متى يجب التوقف
لكن ما جعل جون أوف أرديرن أسطورة طبية حقيقية لم يكن تشخيصه الدقيق وحده، بل معرفته، بوصفه طبيبًا، «أين ينبغي أن يتوقف». ففي حين كان أطباء ذلك العصر الدجالون يعدون المرضى اليائسين باستئصال كل أنواع الأورام ثم يتركونهم يموتون في آلام مروعة، كتب أرديرن بوضوح أن سرطان المستقيم المتقدم لا يمكن إجراء جراحة له في ظروف ذلك الزمن (غير قابل للجراحة). وحذّر زملاءه:
«لا تتدخلوا في هذا المرض أكثر مما ينبغي. فلا علاج تصنعه يد الإنسان يمكنه شفاؤه؛ لا تقطعوا الكتلة بمباضعكم فتزيدوا المريض ألمًا».
بروتوكول الرعاية التلطيفية في العصور الوسطى
وبدلًا من ذلك، قدّم أحد أقدم بروتوكولات «الرعاية التلطيفية» المعروفة لمرضى السرطان في تاريخ البشرية (العلاج المخفف والداعم). لم يكن هدفه القضاء على المرض، بل تسكين ألم المريض وتمكينه من قضاء أيامه الأخيرة بما يليق بكرامة الإنسان.
وصفة أرديرن
- لتسكين الألم: أوصى بتحضير إسفنجات تُستخدم فيها مسكنات نباتية مثل الأفيون (opium) والشوكران والبنج.
- لتخفيف الانسداد: نصح باستخدام حقن شرجية خاصة بزيت الزيتون ومراهم مهدئة بهدف تخفيف انسداد الأمعاء.
تعليق أكاديمية DROZDOGAN
علاج «المريض» لا المرض هو أساس ممارسة رحيمة لطب الأورام. ففي الطب الحديث يوجد أحيانًا خط رفيع بين «فعل كل ما يمكن فعله» و«الحفاظ على جودة حياة المريض». ويُعدّ قرار أرديرن ألّا يمسّ «البومة في الظلام» بالسكين مثالًا عظيمًا على أهم مبادئ الطب، وهو «Primum non nocere» (أولًا، لا تُلحِق الضرر).إن جذور المقاربات التي تركّز على جودة الحياة، والتي نوليها اليوم في السرطانات المتقدمة أهمية لا تقل عن العلاج الكيميائي، تعود إلى 650 عامًا مضت، إلى هذا الجرّاح الحكيم.
المصادر
- 1. Arderne, J. (1376). Treatises of fistula in ano, haemorrhoids, and clysters (الترجمة والجمع: D'Arcy Power, Early English Text Society, 1910).
- 2. Van der Sluis, F. J. (2012). Risk estimation in colorectal cancer surgery (Chapter 1: History of Rectal Cancer), University of Groningen.
- 3. Pearn, J. (2012). "Master John of Arderne (1307-1380): a founder of modern surgery". ANZ Journal of Surgery, 82(1-2), 46-51.
هل كان هذا المقال مفيدًا لك؟
تساعدنا ملاحظاتك على تحسين المحتوى.





تعليقات القراء
شارك تعليقك
لا يُنشر اسمك وتعليقك إلا بعد موافقة المسؤول. لا يُعرض بريدك الإلكتروني للزوار مطلقًا.
كن أول من يعلّق.