الحقيقة وراء الشكاوى الغامضة والمستعصية – اضطراب الأعراض الجسدية

في هذا المقال
يواجه كل طبيب مرضى يعانون أعراضًا وشكاوى لا يمكن العثور لها على أسباب جسدية محددة. وفي 15 يونيو 2024، The Lancetوفق مقال نُشر فيها، ثلث جميع الأعراض لا تفسيرات جسدية لها.
شروح موجزة لأهم مصطلحات المقال:
- العَرَض: علامة أو شكوى يعانيها المريض، وتكون عادة دلالة على مرض أو اضطراب.
- جسدي: يعني بدنيًا أو فيزيائيًا، أي متعلقًا بالجسم.
- الأعراض الجسدية المستمرة: شكاوى جسدية تستمر طويلًا دون سبب عضوي محدد.
- اضطرابات جسدية الشكل: اضطرابات لا يُعثر لها على سبب جسدي، ويُعتقد أنها ترتبط بعوامل نفسية.
- المعالجة التنبؤية: آلية يشكل الدماغ بها الإدراك من خلال توقع الانطباعات الحسية.
ما اضطراب الأعراض الجسدية؟
اضطراب الأعراض الجسدية حالة لا يُعثر فيها على سبب جسدي محدد، لكن المريض يعاني شكاوى واضحة.
يعاني المرضى عادة طيفًا واسعًا من الأعراض التي لا سبب واضحًا لها. ومنها،
- الألم المستمر،
- الدوار،
- شكاوى تتعلق بالقلب والأوعية،
- مشكلات الهضم،
- اضطرابات المشي،
- والإنهاك والتعب.
غالبًا ما يكون الفرق ملحوظًا بين الانزعاج الذي يدركه المريض ووظائفه الجسدية ونتائج فحصه.
ظهر في السنوات الأخيرة مصطلح وصفي جامع لهذه المشكلات الصحية، هو: الأعراض الجسدية المستمرة. ويشمل هذا المصطلح الشكاوى الجسدية الوظيفية المستمرة أشهرًا أو أكثر دون سبب عضوي واضح، مثل متلازمة التعب المزمن والقولون العصبي والألم العضلي الليفي. كما يشمل الشكاوى المستمرة لدى مرضى لديهم اضطراب كامن.
وفق مقال The Lancet، يعاني %70 من المصابين بمرض كلوي مزمن التعب، ويشعر %63 من مرضى الشرايين التاجية بألم مستمر في أذرعهم أو أرجلهم أو مفاصلهم. ويبلغ %31 من مرضى التهاب القولون التقرحي في الهدأة عن أعراض هضمية مستمرة.
في المراجعة 10 من التصنيف الدولي للأمراض (ICD)، يُستخدم عند تعذر تحديد أسباب عضوية مصطلح «اضطرابات جسدية الشكل». لكن ICD-11 استبدل هذا المصطلح بفئة «اضطرابات الأعراض الجسدية».
لم يعد هذا التشخيص يتطلب استبعاد الأسباب الجسدية تمامًا. وبدلًا من ذلك، يتركز الاهتمام على الشذوذات النفسية والسلوكية، و القلق، وزيادة الانتباه للأعراض، وكثرة مراجعة الأطباء، والاعتقاد بوجود مرض جسدي خطير.
«آلة التوقع»
من المهم جدًا فهم النموذج الجديد لمفهوم اضطرابات الأعراض الجسدية، وإدراك ما يمر به الشخص الذي يشكو أعراضًا جسدية مستمرة.
كان سابقًا، للإدراك، نموذج من أسفل إلى أعلى مقبولًا على نطاق واسع؛ يبدأ هذا النموذج بمنبه الألم، وكان يُعتقد أن الألم قد يسبب أعراضًا نفسية بصورة ثانوية. لكن دور الدماغ أصبح الآن في المقدمة. «المعالجة التنبؤية» أو «الترميز التنبؤي» مصطلحان محوريان: فالدماغ يتوقع باستمرار التفسير الأرجح للانطباعات الحسية.
معاناة أعراض مرتبطة بالتوقعات والقلق دون وجود سبب حقيقي/عضوي
يتوقع الدماغ الانطباعات الحسية مع مراعاة عناصر مثل التوقعات والمعتقدات والتجارب السابقة للأعراض. وتؤدي هذه التوقعات دورًا مهمًا لا واعيًا في إدراك المرضى. ينطبق ذلك على جميع المرضى، سواء أكان لديهم مرض عضوي أم لا. وقد تجعل هذه الظاهرة المرضى يعانون أعراضًا حتى دون منبه حسي واضح.
الإدراك ظاهرة بيولوجية نفسية اجتماعية دائمًا، والأمراض ليست جسدية أو نفسية بصورة مطلقة، بل مزيج منهما.
تتغير نسب هذه المكونات خصوصًا في الأمراض المزمنة، حيث تؤدي التوقعات دورًا في إدراك الألم أكبر من الإصابات الحديثة. ولأن المعالجة التنبؤية آلية عامة للإدراك، فقد تؤدي دورًا في أمراض متنوعة.
والخبر الجيد أن عوامل كثيرة، مثل الانتباه الزائد للأعراض والتوقعات غير الوظيفية وسلوك التجنب، يمكن تدبيرها وعلاجها بصورة إيجابية.
ماذا يستطيع الأطباء فعله؟
يُوصى بأن يركز الأطباء المعالجون للشكاوى الجسدية الوظيفية على ثلاث نقاط محورية:
- راعوا التجربة الذاتية: الجانب النفسي مهم في كل مرض. اطرحوا دائمًا أسئلة مثل «كيف تتعاملون مع أعراضكم؟ وما توقعاتكم للمستقبل؟». فمثلًا، مريض ألم الظهر منذ أسابيع، الذي يرى أن حالته تتدهور ويعتقد أنه لن يستطيع العمل، أقل احتمالًا للعودة إلى العمل من مريض يثق بأنه سيتحسن.
- تواصلوا بعناية: إن كيفية تواصل الأطباء مع المرضى بشأن أعراضهم مهمة جدًا. فمثلًا، قد يُظهر MRI الدماغ لدى مريض صداع توتري زيادة طفيفة في شدة الإشارة بمناطق معينة. وإذا قال الطبيب: «قد يكون تصلبًا متعددًا (MS)، لكنني لا أعتقد ذلك»، فسيركز المريض على احتمال MS.
- عالجوا الجسم والعقل: لا يلزم الالتزام بطريقة واحدة في العلاج. فمثلًا، يمكن علاج القولون العصبي بالأدوية وبالعلاج النفسي معًا، ولا يعني ذلك أن الحالة نفسية بالكامل. ويغير العلاج بالتمارين توقعات المريض إيجابيًا بإظهار أن الحركة لا تزيد الألم، وقد يخفف الأعراض.
«حقيبة أدوات» الطبيب
في العام الماضي، eClinicalMedicine دراسة نرويجية نُشرت في مجلة بهذا الاسم أظهرت فعالية هذا النهج في علاج الأعراض الجسدية غير المفسرة طبيًا (TAFS).
في هذه الدراسة، شارك 541 مريضًا ذوي أعراض جسدية غير مفسرة طبيًا في تجربة عشوائية مضبوطة ذات ذراعين. واستخدمت مجموعة أداة جرد التحديات الفردية (ICIT) لمدة 11 أسبوعًا، بينما تلقت الأخرى العلاج المعتاد.
ICIT أداة طورها المؤلفون الرئيسيون للدراسة، وتستند إلى العلاج المعرفي السلوكي وهي أداة تواصل منظمة. وتلقى 103 أطباء عامين من المطبقين تدريبًا على استخدامها.
الهدف الرئيسي لـ ICIT تمكين المرضى وتعزيز مهارات التكيف لديهم في الحياة اليومية والعمل.
وُجه الأطباء العامون المستخدمون لـ ICIT لاتباع الخطوات الثلاث التالية:
-
صادقوا على مشاعر المرضى: تقبلوا مشاعر مرضاكم ومخاوفهم وأظهروا تفهمكم لها.
-
قدموا نموذجًا لتفسير الأعراض يستند إلى مفهوم الحمل الألوستاتي: اشرحوا لمرضاكم كيف ترتبط أعراضهم بالتوتر والحمل الألوستاتي، أي عملية تكيف الجسم مع الضغط.
-
طوّروا خطة نشاط تعاونية تستهدف مشكلات المريض المحددة: أعدوا مع المرضى قائمة مهام أو مشكلات أو خيارات لمعالجة مشكلاتهم الخاصة. وتشجع هذه الخطة مشاركتهم وتعاونهم.
تلقى المرضى في الدراسة جلستين أو أكثر مع أطبائهم العامين. وقُيمت النتائج فرديًا، وكانت النتيجة الرئيسية التغير الذي أبلغ عنه المريض في الوظيفة والأعراض وجودة الحياة. وشملت نقاط النهاية الثانوية القدرة على العمل.
في مجموعة العلاج المعرفي السلوكي، بلغت نسبة من شهدوا تحسنًا عامًا مهمًا في الوظيفة والأعراض وجودة الحياة %76 (223 مريضًا)، مقابل %38 (236 مريضًا) في مجموعة الضبط التي تلقت الرعاية المعتادة (متوسط الفرق، -0.8; %95 CI, -1.0 إلى -0.6; P < .0001).
بعد 11 أسبوعًا، انخفض الابتعاد عن العمل في مجموعة العلاج %27 نقطة، من 52.0 إلى 25.2، مقابل انخفاض %4 نقاط فقط في مجموعة الرعاية المعتادة، من 49.7 إلى 45.7.
الخلاصة
اضطراب الأعراض الجسدية حالة تتميز بشكاوى لا يُعثر لها على سبب جسدي محدد، لكنها تؤثر سلبًا في جودة حياة المرضى. ومن المهم مراعاة العوامل الجسدية والنفسية معًا في العلاج. وقد تساعد النُهج القائمة على العلاج المعرفي السلوكي المرضى على تدبير الأعراض وتحسين جودة حياتهم. وقد تؤدي مراعاة العوامل النفسية الاجتماعية خصوصًا، والتواصل الدقيق بين الطبيب والمريض، إلى تحسن مهم في العلاج. وتظهر الأبحاث فعالية هذه النُهج في تحسين وظيفة المرضى وخفض الإجازات المرضية. ولذلك ينبغي اعتماد نُهج شاملة ومتعددة التخصصات لعلاجهم.
المصادر
هل كان هذا المقال مفيدًا لك؟
تساعدنا ملاحظاتك على تحسين المحتوى.





تعليقات القراء
شارك تعليقك
لا يُنشر اسمك وتعليقك إلا بعد موافقة المسؤول. لا يُعرض بريدك الإلكتروني للزوار مطلقًا.
كن أول من يعلّق.