ما الهذيان؟ وما أعراضه وعلاجه لدى مرضى السرطان؟

في هذا المقال
الهذيان حالة تبدأ فجأة وتصبح واضحة خلال ساعات أو أيام، ويغلب عليها التشوش الذهني.
الهذيان، الذي كثيرا ما ترافقه تقلبات الوعي والتشوش ومشكلات الانتباه والذاكرة والتململ، أو على العكس بطء شديد، إضافة إلى الهلاوس والأوهام التي سنشرحها أدناه بمزيد من التفصيل، حالة نصادفها أيضا لدى مرضى السرطان وتتطلب تدخلا طبيا عاجلا.
ما الهذيان؟
يمتلك جسمنا توازنا بيولوجيا بالغ التعقيد يتيح لنا البقاء أحياء، وهو ضروري لكي يؤدي وظائفه بأعلى كفاءة. وعندما يختل هذا التوازن لسبب ما، نبدأ بملاحظة أعراض أمراض مختلفة بحسب الأعضاء المتأثرة. وإذا أثر الاختلال في عمل الدماغ، فقد تظهر حالة الهذيان - delirium - التي تجمع أعراض أمراض نفسية متعددة. أي إن الهذيان، رغم أنه يوحي بمرض نفسي شديد، هو في الأساس مجموعة أعراض تنجم عن تأثير اختلال التوازن الجسدي في الدماغ، وهذه طبيعته.
أعراض الهذيان
تقلب الوعي واضطراب التوجه: يمكن تعريف الوعي بأنه اليقظة والإدراك الكامل للمحيط. وفي الهذيان تتقلب اليقظة وإدراك البيئة خلال اليوم. فقد يكون المريض في لحظة مدركا تماما لما يجري حوله وصافي الذهن، ثم يعاني بعد بضع ساعات تشوشا واضحا. ويكون التدهور أكثر شيوعا ليلا، وقد لا يعرف الشخص الوقت من اليوم أو اليوم أو الشهر أو السنة. وقد لا يتذكر مكانه وسبب وجوده فيه، ويظن أنه في مكان آخر، وقد يخلط أحيانا بين المحيطين به أو يعجز عن التعرف عليهم.
اضطراب دورة النوم واليقظة: قد تنعكس دورة الليل والنهار لدى المرضى أثناء الهذيان، فيميل من لا ينامون أو يعجزون عن النوم ليلا إلى قضاء النهار في النعاس. وعدم الحصول على نوم ليلي منتظم عامل مهم في اشتداد الحالة.
مشكلات الانتباه والذاكرة: رغم اختلاف الشدة، يصعب على مرضى الهذيان جمع انتباههم والحفاظ على تركيزهم. وأحيانا يكون العجز عن مواصلة الانتباه واضحا لدرجة تمنع فهم كلام الآخرين، أو إيجاد الكلمات المناسبة وتكوين جمل سليمة للتعبير عن معاناتهم. وبما أنهم مشوشون أصلا بشأن الزمان والمكان والأشخاص، فقد يبدو كلامهم للمستمعين مفككا وغير منطقي.
الإدراك والأفكار: بسبب اضطراب عمل الدماغ في الهذيان، قد يتحدث مرضانا عن منبهات غير موجودة فعليا، لكنهم يؤكدون إدراكها عبر الحواس الـ 5. وفي هذه الحالات، المسماة بالهلاوس، قد يقولون إنهم يرون أشياء لا يراها الآخرون أو يسمعون أصواتا لا يسمعونها. فمثلا قد يقولون إن شخصا يتجول في الغرفة، أو إن العناكب والحشرات تتحرك على الجدار، أو إن أشخاصا ينادونهم. وأحيانا تكون لديهم أفكار غريبة يستحيل أن تكون حقيقية، لكنهم يؤمنون بها بقوة. وفي هذه الحالات، المسماة بالأوهام، قد تسود فكرة أن أحدا سيؤذيهم. ولذلك قد يخافون من تسميمهم عندما تقدم الممرضات العلاج أو يطعمهم أفراد الأسرة.
المشاعر والسلوكيات: تحدث تغيرات عاطفية طفيفة قبيل بدء الهذيان. فقد تظهر مشاعر شديدة مثل الضيق وسرعة الغضب والقلق المفرط والتململ وسرعة التأثر والبكاء، أو قد يُلاحظ العكس تماما، أي خمول شديد ولا مبالاة بالمحيط. الهذيان مفرط النشاط في هذه الحالة التي يبرز فيها التململ وعدم القدرة على الاستقرار، كثيرا ما تُلاحظ سلوكيات غير مناسبة، مثل الرغبة الدائمة في مغادرة السرير، ومحاولة نزع القساطر الوريدية والمحاليل أو مغادرة المستشفى بسبب اضطراب الحكم واتخاذ القرارات الصحيحة. الهذيان ناقص النشاط أما في هذه الحالة، فيتواصل المرضى ويتحركون بدرجة أقل، وقد يقضون معظم اليوم نائمين.
لا يتذكر هذه التجربة سوى نصف مرضانا. ومن جهة أخرى، فهي فترة قد تكون مخيفة لأقارب المرضى، كما أنها مرهقة بسبب صعوبة التحكم بالأعراض.
ما الأسباب المحتملة للهذيان لدى مرضى السرطان؟
العوامل التي قد تؤثر في عمل الدماغ وتسبب الهذيان:
- العدوى
- جفاف الجسم لأسباب مختلفة (مثل الإسهال ، والقيء) (التجفاف)
- الحالات التي يختل فيها توازن معادن الجسم مثل الملح والبوتاسيوم والكالسيوم والمغنيسيوم
- اختلال الأكسجة (عندما تعجز الرئتان عن أداء الشهيق والزفير بصورة كافية)
- شديدة وغير قابلة للسيطرة من الآلام
- الإمساك (خصوصا لدى مرضانا المسنين)
- عوامل تنشأ مباشرة من الدماغ (مثل أورام الدماغ، أو ما يسببه السرطان في الدماغ من النقائل، أو انسداد الأوعية أو النزف في الدماغ)
- بعض المواد الكيميائية التي يفرزها السرطان أو يفرزها الجسم ضد الخلايا السرطانية
- فشل أعضاء مثل الكلى والكبد
- اختلالات هرمونية (قصور/فرط نشاط الغدة الدرقية، انخفاض سكر الدم)
- بصورة ثانوية لأثر جانبي للعلاج الكيميائي أو الإشعاعي
- كأثر جانبي لأدوية غير علاج السرطان (مثل المسكنات القوية المشتقة من المورفين والمهدئات وعلاجات الكورتيزون وأدوية اضطراب النظم وغيرها)
- نقص التغذية طويل الأمد - الدنف
الهذيان ليس خاصا بالسرطان. فقد يحدث الهذيان أيضا بعد العمليات الكبيرة والإصابات الشديدة والعدوى الجهازية المهمة، خارج السرطان وأسبابه المرتبطة به. وكما يتضح، قد تسبب الهذيان أي حالة تخل بتوازن الجسم. وعندما يُصحح الاختلال الجسدي، تزول حالة الهذيان غالبا.
كيف يُشخّص الهذيان؟
يُشخّص الهذيان بأخذ القصة المرضية من المريض وأقاربه وإجراء الفحص النفسي. ويجب إبلاغ الطبيب فورا عند ملاحظة مجموعة الأعراض المفصلة أعلاه لدى شخص يعاني مرضا خطيرا أو مزمنا، إذا بدأت فجأة وترافقت مع تقلبات في الوعي وأخلّت بتواصله مع محيطه وخفضت إدراكه للزمان والمكان ومن حوله.
قد يطلب طبيبكم والطبيب النفسي أيضا معلومات من أقارب المريض عن تاريخ الأمراض النفسية السابقة لتمييز الهذيان من غيره. فمن المعروف أن مرضى الخرف ومن لديهم تاريخ إصابة بالرأس أو إدمان الكحول أكثر قابلية للهذيان، وأن علاجاتهم تتضمن اختلافات. وقد يطبق الأطباء أثناء الفحص اختبارات قصيرة لقياس الوظائف المعرفية للمريض.

كيف يُعالج الهذيان؟
لأن الهذيان هو ظهور مشكلات جسدية بصورة مرض نفسي، فإن العلاج الأساسي هو تحديد المشكلة الجسدية الكامنة وعلاجها. وقد تُطلب تحاليل دم إلى جانب الفحص الجسدي لتحديدها. وقد يُطلب أحيانا تصوير إشعاعي بحسب المرض المشتبه به (صورة للصدر، تصوير مقطعي، رنين مغناطيسي).
يُعطى العلاج للمشكلة المحددة بنتائج الفحوص. فإذا كان الهذيان ناجما عن اختلال الماء والأملاح والمعادن في الجسم، فمن الخيارات إعطاء السوائل وتعويض المعادن الناقصة. وإذا كانت المشكلة الكامنة عدوى، تكون الأولوية للعلاج بالأدوية المضادة للميكروبات. وإذا كان السبب ألما، فإن تخفيفه قد يحسن الحالة، وإذا كان المسكنات فإن تبسيط الأدوية أو خفض جرعاتها قد يساعد. أي إن تحديد المشكلة أيا كانت وعلاجها هو الشكل الأساسي لعلاج الهذيان. كم يستغرق زوال الهذيان تعتمد إجابة هذا السؤال أيضا على علاج الحالة الكامنة. لكن للأسف، رغم جميع الجهود، لا يمكن لدى مرضى كثيرين تحديد المشكلة المحتمل تسببها بالهذيان بوضوح.
أثناء علاج المرض الكامن، تشمل الأهداف الأساسية تحسين جودة حياة المريض وتنظيم النوم واليقظة وخفض خطر إيذائه نفسه أو محيطه دون وعي.
ولهذا السبب، بالنسبة للمرضى
- من المناسب مراقبتهم، إن أمكن، في غرفة بعيدة عن الازدحام والضوضاء، يتلقون فيها الرعاية بمفردهم ويمكن لأقاربهم والفريق المعالج متابعتهم عن كثب.
- يساعد تخفيف الإضاءة أو إطفاؤها ليلا، والسماح بدخول ضوء النهار إلى الغرفة نهارا، على تصحيح دورة الليل والنهار.
- لأن مرضانا قد يعانون التشوش، فإن تعريف من يعتنون بهم بأنفسهم قبل الكلام، وتولي الممرضات ومقدمي الرعاية أنفسهم رعايتهم إن أمكن، وتذكيرهم المتكرر بمكانهم وسبب وجودهم فيه ويوم الأسبوع ومدة بقائهم في المستشفى، يزيد إدراكهم للمحيط من جديد (إعادة التوجه).
- وبالمثل، يساعد وجود تقويم أو ساعة أو أشياء مألوفة في الغرفة على دعم إدراكهم للمحيط.
- ينبغي طمأنة المريض حين يكون متململا ومتضايقا. فقد يشتد تململ مرضانا أحيانا بسبب رؤية خيالات أو سماع أصوات. وفي هذه الحالة ينبغي ألا يوافق الأقارب تلك الخيالات ويسايروها (مثل: نعم يا أمي، أرى تلك العناكب أيضا، سأطلب تنظيفها، لا تشغلي بالك)، وألا يحاولوا إقناع المريض بعدم وجودها (مثل: لا يوجد شيء كهذا، تعالي وانظري وحاولي لمسه إن شئت). والمطلوب هو إظهار إدراك ضيقه ومحاولة تحويل انتباهه إلى جهة أخرى (مثل: أنا لا أرى العناكب التي ترينها، لكنني أرى أنك متضايقة جدا، وأحيانا قد يحدث هذا أثناء المرض، إن شئت شاهدي التلفاز قليلا أو أغمضي عينيك وحاولي النوم، سأكون هنا…).
- قد لا تفيد أحيانا الطرق السلوكية المذكورة أعلاه. وعندئذ يمكن إعطاء علاجات دوائية تخفض عدم الاستقرار والتململ وتنظم النوم وتزيل الهلاوس. وغالبا تُستخدم مضادات الذهان كخيار علاجي أول. وفي الحالات الشديدة قد يلزم إضافة أدوية ذات تأثير مهدئ تسمى البنزوديازيبينات إلى مضادات الذهان.
الخلاصة
لا يزال الهذيان غير معروف بما يكفي، مما يسبب معاناة للمرضى وأقاربهم وإصابات عرضية بسبب السقوط وغيره وانخفاض جودة حياة مرضانا. والأهم أنه إنذار بوجود مشكلة جسدية كامنة، لذا فإن عدم اكتشافه وبقاءه دون علاج يعني بقاء المشكلة الكامنة دون علاج، ويحمل خطر الوفاة. ومن المهم والضروري جدا إبلاغ أطبائكم دون تأخير عن حالات التشوش الذهني المفاجئة.
قد يهمكم: علم النفس الأورامي - أخبار نفسية السرطان
المصادر
2. MD Anderson Handbook of Psychosocial Oncology
3. Taking care of the terminally ill cancer patient: delirium as a symptom of terminal disease Annals of Oncology 15 (Supplement 4): iv199–iv203, 2004
4. The Delirium Experience: Delirium Recall and Delirium-Related Distress in Hospitalized Patients With Cancer, Their Spouses/Caregivers, and Their Nurses, psychosomatics, the journal of consultation liaison psychiatry, Vol 43, Issue 3, 2002
هل كان هذا المقال مفيدًا لك؟
تساعدنا ملاحظاتك على تحسين المحتوى.





تعليقات القراء
شارك تعليقك
لا يُنشر اسمك وتعليقك إلا بعد موافقة المسؤول. لا يُعرض بريدك الإلكتروني للزوار مطلقًا.
كن أول من يعلّق.