أمل للأطفال المصابين بورم أرومي عصبي مرتفع الخطورة: العلاج بخلايا CAR T وGD2-CART01

في هذا المقال
الورم الأرومي العصبي ثالث أكثر سرطانات الطفولة شيوعًا، وهو ورم عدواني ينشأ عادةً من النسيج العصبي. ويبدأ غالبًا في الغدتين الكظريتين وفي أنسجة عصبية أخرى على امتداد الجهاز العصبي الودّي. ويُشاهَد عادةً لدى الأطفال دون سن 5 سنوات، ويشكل نحو %8-10 من جميع سرطانات الأطفال. وقد يسبب، بحسب حجم الورم وموضعه، أعراضًا مختلفة مثل انتفاخ البطن وفقدان الشهية والوزن والألم ومشكلات التنفس واضطرابات عصبية متنوعة وفقر الدم. ويُقسَّم إلى ثلاث فئات: منخفض الخطورة ومتوسط الخطورة ومرتفع الخطورة. وفي السنوات الأخيرة، أتاحت استراتيجيات علاجية متقدمة، كالعلاجات المناعية والموجّهة، آمالًا جديدة لعلاجه.
العلاج بالخلايا التائية CAR (مستقبل المستضد الخيمري، Chimeric Antigen Receptor) طريقة متقدمة من العلاج المناعي المستخدم في السرطان. وفيها تُؤخذ الخلايا التائية الخاصة بالمريض، وتُعدَّل بالهندسة الوراثية للتعبير عن مستقبل خاص (CAR) موجّه ضد الخلايا السرطانية. ثم تُعاد هذه الخلايا التائية المعدّلة إلى المريض لاستهداف الخلايا السرطانية ومحاولة القضاء عليها.
أظهر العلاج بخلايا CAR T نتائج واعدة، خصوصًا في سرطانات الدم (مثل ابيضاض الدم اللمفاوي الحاد ولمفوما الخلايا البائية الكبيرة المنتشرة). ويجري بحثه أيضًا لأنواع أخرى من السرطان.
لكن العلاج بخلايا CAR T له آثار جانبية محتملة، ولم يحصل حتى الآن على موافقة للاستخدام في السرطانات الصلبة (الناشئة من أنسجة أو أعضاء). ومن مخاطره متلازمة إطلاق السيتوكينات (SRS) والمضاعفات العصبية. ويحاول الباحثون تطوير استراتيجيات مختلفة لتقليل آثاره الجانبية مع زيادة فعاليته.
أمل جديد لعلاج الورم الأرومي العصبي
في 6 أبريل 2023، NEJM نشرت المجلة دراسة تُظهر أن العلاج بخلايا CAR T قد يكون خيارًا محتملًا لعلاج الأورام الصلبة، مثل الورم الأرومي العصبي. واستُخدم لدى أطفال مصابين بورم أرومي عصبي مرتفع الخطورة علاج خاص بخلايا CAR T يُسمّى GD2-CART01، ويستهدف GD2. وتمثل الدراسة خطوة مهمة بتقديم خيار علاجي جديد لهؤلاء المرضى.
ما GD2؟ ولماذا اختير هدفًا للورم الأرومي العصبي GD2؟
GD2 نوع من الغانغليوزيدات يُسمّى ثنائي السيالوغانغليوزيد. والغانغليوزيدات جزيئات معقدة توجد على سطح الخلايا، وتؤدي دورًا مهمًا في تفاعلاتها. ويوجد GD2 طبيعيًا خصوصًا في النسيج العصبي وخلايا الجهاز العصبي المحيطي.
توجد أسباب متعددة لاختيار GD2 هدفًا للورم الأرومي العصبي:
-
التعبير المرتفع عن GD2: يُعبَّر عن GD2 بمستويات مرتفعة على سطح خلايا الورم الأرومي العصبي. ويجعله هذا التعبير المرتفع هدفًا خاصًا بالخلايا السرطانية، مما يزيد التأثير الانتقائي للعلاجات المناعية الموجّهة إلى GD2.
-
الخصائص المناعية لـGD2: يمتلك GD2 خصائص مولّدة للاستجابة المناعية، أي إنه قابل للتعرّف والاستهداف بواسطة الجهاز المناعي . وتزيد هذه الخاصية فعالية الخلايا المناعية ضد الخلايا السرطانية، وتجعل GD2 هدفًا مناسبًا للاستخدام في علاج الورم الأرومي العصبي.
-
التعبير المنخفض في الأنسجة السليمة: يُعبَّر عن GD2 بمستويات منخفضة في الأنسجة والخلايا السليمة، مما يقلل خطر إلحاق الضرر بالأنسجة السليمة بواسطة العلاجات المناعية الموجّهة إلى GD2.
-
فعالية تستند إلى بيانات سريرية: أظهرت الدراسات السابقة فعالية العلاجات المناعية الموجّهة إلى GD2، خصوصًا لدى مرضى الورم الأرومي العصبي. وبناءً على هذه البيانات، يُعد GD2 هدفًا محتملًا للاستخدام في علاج هذا الورم.
لهذه الأسباب اختير GD2 هدفًا في العلاج بخلايا CAR T للورم الأرومي العصبي. والهدف من الخلايا التائية الموجّهة إلى GD2 هو تطوير علاجات مناعية قد تكون فعالة في علاج هذا الورم، بتعرّفها إلى الخلايا السرطانية والقضاء عليها.
نتائج الدراسة
في تجربة سريرية من المرحلة 1-2، عولج 27 طفلًا بـGD2-CART01. وفي جزء المرحلة 1 من الدراسة، اختُبرت ثلاثة مستويات للجرعة، ولم تُرصد تأثيرات سامة محدِّدة للجرعة. وحُدِّدت الجرعة الموصى بها للمرحلة 2 بـ10 ملايين خلية CAR T لكل كيلوغرام. وظهرت متلازمة إطلاق السيتوكينات (CRS) لدى %74 من المرضى، لكنها كانت خفيفة لدى %95 منهم. ولدى مريض واحد فقط، أُتيح التخلص السريع من GD2-CART01 بتفعيل جين خاص (جين الانتحار).

بلغ معدل الاستجابة للعلاج %63؛ إذ أظهر 9 مرضى استجابة كاملة، وحقق 8 استجابة جزئية. ولدى الذين تلقوا الجرعة الموصى بها، حُسب البقاء الكلي والبقاء الخالي من المرض عند 3 سنوات بنسبة %60 و%36 على التوالي.
ملاحظة: جين الانتحار (suicide gene) بنية وراثية مصممة كتدبير أمان في العلاج الجيني، وتسمح بقتل الخلايا بصورة مضبوطة. وتُستخدم هذه الجينات عادةً في العلاجات المعدّلة جينيًا والعلاجات المناعية، ولا سيما علاجات خلايا CAR T. وهي تساعد على منع تنشيط الخلايا أو تكاثرها غير المرغوب فيهما، للتحكم بالآثار الجانبية أو السميات المحتملة للعلاج. ومن أنظمة جينات الانتحار طريقة «الكاسباز المحرَّض-9» (iCasp9)، التي تنشّط جزيئًا يمكن أن يؤدي إلى موت الخلية. وفي هذا النظام، يُنشَّط إنزيم كاسباز-9 المدمج في الخلية عند تحريضه بدواء معين، فيؤدي إلى موتها المبرمج (الاستماتة). وتُستخدم جينات الانتحار في العلاج بخلايا CAR T لمنع المضاعفات التي قد تنجم عن التأثيرات السامة لهذه الخلايا. وخصوصًا عند حدوث مضاعفات مثل متلازمة إطلاق السيتوكينات الشديدة (CRS) أو التأثيرات خارج الهدف، يعمل هذا النظام على التخلص السريع والمضبوط من خلايا CAR T. وهذا مهم لسلامة المريض والنجاح العام للعلاج.
في الختام، وُجد أن علاج GD2-CART01 قابل للتطبيق وآمن لعلاج الورم الأرومي العصبي مرتفع الخطورة. وحدثت تأثيرات سامة مرتبطة بالعلاج، لكن تفعيل جين الانتحار ضبط الآثار الجانبية. ويُعتقد أن GD2-CART01 قد يملك تأثيرًا مستمرًا مضادًا للورم. وتمثل الدراسة خطوة مهمة لبحث التطبيقات المحتملة للعلاج بخلايا CAR T في الأورام الصلبة.
*
لماذا لم يحقق العلاج بخلايا CAR T نجاحًا مهمًا في السرطانات الصلبة حتى الآن؟
توجد أسباب متعددة لعدم تحقيق العلاج بخلايا CAR T نجاحًا مهمًا في السرطانات الصلبة حتى الآن:
- اختيار الهدف: يعتمد نجاح العلاج بخلايا CAR T على الاختيار الصحيح للجزيئات المستهدفة الخاصة بالخلايا السرطانية. ففي سرطانات الدم، توجد أهداف نوعية وواسعة التعبير، مثل CD19. لكن أهداف الأورام الصلبة غالبًا أقل نوعية وأكثر تغايرًا، مما يزيد صعوبة استهداف الخلايا السرطانية انتقائيًا.
- البيئة الورمية الدقيقة: تمتلك الأورام الصلبة بنية معقدة تضم خلايا سرطانية وخلايا مناعية وأنواعًا خلوية أخرى. وقد تحتوي بيئتها الدقيقة على عوامل مثبطة للمناعة تحد من نجاح العلاجات المناعية. وتؤثر هذه العوامل سلبًا في نجاح العلاج، بتقليل ارتشاح خلايا CAR T داخل الورم وفعاليتها.
- اختراق الورم: يُعد وصول خلايا CAR T إلى الخلايا السرطانية في الأورام الصلبة واختراقها مهمًا لنجاح العلاج المناعي. لكن الحواجز الفيزيائية للأورام والمطرس خارج الخلوي قد تعوق دخول هذه الخلايا إلى النسيج الورمي.
- استمرار خلايا CAR T: تكون قدرة خلايا CAR T على الاستمرار وإظهار تأثير دائم مضاد للورم محدودة في الأورام الصلبة. وقد تقلل البيئة الورمية الدقيقة فعالية العلاج بكبح تنشيط الخلايا التائية وتكاثرها.
- التأثيرات خارج الهدف والسميّة: قد يُعبَّر عن أهداف خلايا CAR T المستخدمة في الأورام الصلبة بمستويات منخفضة في الأنسجة السليمة أيضًا. وقد يسبب ذلك استجابات مناعية غير مرغوبة تجاه الخلايا السليمة وسميّة خطيرة.
يحاول الباحثون تطوير استراتيجيات مختلفة للتغلب على هذه التحديات. ومن أمثلتها اختيار جزيئات مستهدفة أكثر نوعية وفعالية، والجمع بين العلاجات المناعية لتعديل البيئة الورمية الدقيقة، واستخدام الهندسة الوراثية لزيادة ارتشاح خلايا CAR T داخل الورم وقدرتها على الاستمرار.
المصادر
هل كان هذا المقال مفيدًا لك؟
تساعدنا ملاحظاتك على تحسين المحتوى.





تعليقات القراء
شارك تعليقك
لا يُنشر اسمك وتعليقك إلا بعد موافقة المسؤول. لا يُعرض بريدك الإلكتروني للزوار مطلقًا.
كن أول من يعلّق.