HPV – رحلة فيروس مسبب للسرطان في الهروب من الجهاز المناعي

في هذا المقال
فيروس الورم الحليمي البشري (HPV) ينتمي إلى فيروسات الورم الحليمي التي تتطور وتنتشر بين الثدييات والطيور منذ ملايين السنين. وكُشف اليوم أكثر من 300 فيروس ورم حليمي، وأكثر من 200 منها HPV، ويسبب أكثر من 40 نوعًا من HPV عدوى البشر. وهو أكثر العوامل المنقولة جنسيًا شيوعًا عالميًا. ويمكن تصنيفه إلى أجناس وأنواع وأنماط. وتُصنف فيروسات HPV من جنس ألفا بحسب قدرتها المسرطنة إلى عالية ومنخفضة الخطورة. وتسبب المنخفضة ثآليل جلدية وشرجية تناسلية، بينما تسبب العالية سرطانات عنق الرحم والمهبل والقضيب والشرج والرأس والعنق، المعروفة أيضًا بسرطانات البلعوم الفموي. ويتكاثر HPV أبطأ من الفيروسات الأخرى، ولهذا، فيما يخص الجهاز المناعي ، فقد طوّر آليات للهروب منه. وفي هذا المقال سنلخص الآليات التي يستخدمها HPV للتملص من الجهاز المناعي.
لدى كثيرين عدوى HPV، لكن آليات الدفاع لدى معظم المصابين فعالة جدًا في إزالة العدوى الأولية.
كيف يزيل جسمنا عدوى HPV طبيعيًا؟
الحواجز الفيزيائية
تشكل خلايا الطبقة الخارجية من الجلد (الخلايا الكيراتينية القاعدية) حاجزًا مهمًا أمام دخول الفيروس. وتحدث العدوى باستقرار HPV في الجلد أو الأغشية المخاطية، ويزيد تضرر النسيج قابلية الإصابة. ويشكل الغشاء المخاطي حاجزًا مهمًا بإفراز سوائل لزجة واقية وببتيدات مضادة للميكروبات. وعندما يصل HPV إلى السائل خارج الخلايا، تُعدل البروتيازات خارج الخلوية قفيصته (طبقته الخارجية)، ويُدخل إلى الخلية بالاحتساء الكبير. ثم يصل إلى النواة بمساعدة المسار الالتقامي وجهاز غولجي. وتُدمّر جسيمات فيروسية كثيرة بالبلعمة حتى هذه المرحلة. والغلاف النووي حاجز آخر يمنع دخول DNA الخاص بـHPV إلى النواة. وتوجد غير هذه الحواجز مضادات قوية في الخلية تمنع عدوى HPV.
ملاحظة: المضاداتتعني مواد ذات تأثير معاكس.
المناعة الفطرية
عند دخول HPV الخلية، يتعرف إليه TLR (المستقبل الشبيه بتول)، وغيره من المستقبلات . ثم تنشط مسارات داخل الخلية وتحاول منع تكاثر الفيروس. وتُعد الخلايا القاتلة الطبيعية و الخلايا المتغصنة وخلايا لانغرهانس من خلايا المناعة الفطرية المشاركة في الاستجابة المبكرة لعدوى HPV. وتكتسب الاستجابات المبكرة الالتهابية ضد عدوى HPV أهمية كبيرة لبدء دفاع مناعي قوي.
المناعة التكيفية (المكتسبة)
للقضاء على الخلايا المصابة بـHPV، تؤدي عناصر الجهاز التكيفي ، وهي خلايا T أدوارًا مهمة جدًا. ولتنشيط خلايا T، تعالج الخلايا المتغصنة المستضد أولًا وتزيد التعبير عن معقد التوافق النسيجي الرئيسي (MHC) لعرضه عليها. ويحفز ارتباط الخلية المتغصنة بخلية T تكاثر خلايا T، ويزداد تعبير IL-2 والجينات المضادة للاستماتة. ونتيجة تعبير هذه الجينات، ينشط الجهاز المناعي التكيفي وتُزال الخلايا المصابة.
ما آليات هروب HPV من الجهاز المناعي؟

التعبير الجيني
إحدى آليات هروب HPV من الجهاز المناعي هي إبقاء التعبير عن الجينات الفيروسية المبكرة منخفضًا. أي إنه يخفي هويته في البداية. ويتحكم جين E2 بهذه الآلية، ويكون عدد المستضدات الفيروسية قليلًا جدًا. كما لا تُفرَز بروتينات HPV، فلا تتعرف الخلايا العارضة للمستضد (APC) إلى الخلايا المصابة، وتُمنع استجابة المناعة التكيفية.
لا يحدث فرط التعبير عن البروتينات الفيروسية والفيريونات شديدة الاستمناع إلا في الطبقات العليا للظهارة. وتتحرر الفيريونات بتساقط الخلايا من سطح الظهارة، لكن دخول الخلايا المناعية إلى الطبقات القريبة من سطح الظهارة محدود، لذلك يستطيع HPV الهروب من الجهاز المناعي.
كما يستطيع HPV استخدام آليات مثيلة DNA في الخلية المضيفة لتغيير التعبير الجيني والاختباء من الجهاز المناعي. ومثيلة DNA أصلًا آلية دفاعية ضد DNA الغريب؛ فتُمثَّل بقايا CpG فيه وتُزال فعاليته الممرضة، لكن بعض الممرضات مثل HPV تستولي على آليات المثيلة وتستخدمها لصالحها. ويحفز البروتين الورمي الفيروسي E7 إنزيم ميثيلترانسفيراز DNA 1 (DNMT1)، فيزيد نشاط الميثيلترانسفيراز. كما يسبب بروتين E7 فرط مثيلة منطقة محفز CXCL14 وإسكات الجين. وCXCL14 كيموكين مهم مسؤول عن الانجذاب الكيميائي لخلايا لمفاوية كثيرة كالمتغصنة والقاتلة الطبيعية وخلايا T، وتنخفض فعاليته بفرط المثيلة. ويسبب البروتين الورمي E7 مثيلة منطقة الجين المحفز لجزيء E-كادهيرين اللازم لالتصاق خلايا لانغرهانس، فتقل فعاليته ولا تلتصق هذه الخلايا بالخلايا المصابة بما يكفي. أما البروتين الورمي E6 فيسبب مثيلة قرب المنطقة النسخية لـIFN-k، فتُثبط فعالية IFN-k.
إضافةً إلى مثيلة DNA، يتلاعب HPV أيضًا بـ تعديل الهستونات للهروب من الجهاز المناعي. وتعديل الهستونات آلية فوق جينية أخرى لتنظيم التعبير الجيني. ويؤثر HPV38 E7 في بروتين بوليكومب للنظير 2 لزيست (EZH2)، فتحدث ثلاثية مثيلة الهستون 3 ليسين 27 (H3K27me3) في محفز TLR9، وينخفض نشاط نسخ TLR9. ويؤثر بروتين HPV16 E7 أيضًا في نازع أستيل الهستون 1 (HDAC1) ونازع مثيلة الهستون JARID 1B، فيقلل ثلاثية مثيلة الهستون 3 ليسين 4 (H3K4me3) عند بداية نسخ TLR9 ويخفض تعبير TLR9. كما يثبط بروتين HPV E7 النشاط النسخي لـIRF1، فتنخفض كثيرًا مواد مثل IFN-b التي تُفرز بتنبيه IRF1.
العامل النووي-kB (NF-kB) أحد أهم عوامل النسخ في الجهاز المناعي، وينظم الالتهاب بمواد كالسيتوكينات وعوامل النمو. وتقلل البروتينات الورمية لأنواع HPV عالية الخطورة تنشيط NF-kB بتثبيط مثيلة K310 في منطقة جين p65، فيقل إفراز السيتوكينات المحرضة للالتهاب. كما يرتبط البروتينان HPV16 E6 وE7 بالعامل المرتبط بـp300/CBP (PCAF)، فينخفض تنشيط NF-kB مجددًا، وتقل IL-8.

تعطيل المسارات والبروتينات داخل الخلية
قد تعطل جينات HPV المسرطنة، عبر تفاعلات البروتين مع البروتين ، وظائف بروتينات الخلية المضيفة وإشاراتها. ويؤثر بروتين HPV18 E16 مباشرةً في التيروزين كيناز غير المستقبل 2 (TYK2) ، فيقلل فسفرة TYK2 وناقل الإشارة ومنشط النسخ 2 (STAT2). وهكذا تضطرب استجابة الإنترفيرون (IFN) أيضًا. وآلية أخرى اكتُشفت مؤخرًا هي تثبيط مسار c-GAS-STING بواسطة HPV. فعادةً يرصد c-GAS الـDNA السيتوسولي الغريب، وSTING بروتين يبدأ إشارات المناعة الفطرية ضد الفيروسات. ويستهدف البروتين الورمي HPV18 E7 مسار c-GAS-STING، فيثبط إنتاج IFN من النمط 1 ويقلل استجابة الخلية المناعية المضادة للفيروسات.
آلية هروب أخرى تجيد جينات HPV المسرطنة استخدامها هي التعديل بعد الترجمة وتحلل البروتينات. فمثلًا، تزيد أنواع HPV عالية الخطورة في الخلايا الكيراتينية هيدرولاز النهاية الكربوكسيلية لليوبيكويتين 1 (UCHL1) من حيث نشاطه. ويقلل UCHL 1 فسفرة IRF 3 بتثبيط يوبيكويتنة العامل-3 المرتبط بمستقبل TNF (TRAF3). كما يثبط بروتين UCHL1 مسار إشارات NF-kB. ويُعطل تفاعل بروتين HPV E6 مع E6AP إنتاج pro-IL-1B؛ أي إن الأنواع عالية الخطورة تحاول فعليًا كبت العمليات المحرضة للالتهاب.
لا يقتل HPV الخلايا الظهارية التي يصيبها، ولا يسبب وجود فيروس قابل للكشف في الدم، ونتيجةً لذلك فإن عملية التعرف إلى المستضد وعرضه لا تعمل بصورة سليمة. ويختبئ HPV من الجهاز المناعي بتأثيره في جزيئات عرض المستضد المختلفة. ويثبط HPV-16 البروتيازومات (PSM8 وPSM9) التي تبدأ العرض بتحليل البروتينات الانقباضية. كما يقلل تصنيع جزيئات النقل (TAP1 وTAP2)، ويثبط الخلايا العارضة للمستضد (APC)، ويؤثر في MHC، أهم جزيئات عرض المستضد. ووظيفة بروتين MHC عرض المستضد على الخلايا اللمفاوية T التابعة للمناعة التكيفية. ويُبقي البروتينان الورميان HPV16 E7 وE5 جزيء MHC-1 في غولجي فيحجبان MHC-1، ويعطلان نضج البروتينات المرافقة فيثبطان MHC-2 أيضًا. فتقل قدرة خلايا T على رصد المستضدات الغريبة، ويختبئ HPV من الجهاز التكيفي كذلك.
يعطل بروتين L2 الموجود في قفيصة HPV عمل الخلايا المتغصنة وخلايا لانغرهانس الطبيعي، ويعرقل عرض المستضد بحجب هذه الخلايا نوعًا ما.
يغير نشاط خلايا T
يحاول HPV تثبيط خلايا T بآليات مختلفة. ويثبط التأثير السام للخلايا بتحويل الاستجابة الخلوية Th1 باتجاه الاستجابة الخلطية Th2. كما يقلل تعبير CD1d، الذي ينشط المناعة التكيفية ويؤدي دورًا مهمًا في تحول Th1/Th2. وينشط HPV أيضًا جزيء CTLA-4 الذي يدفع الخلايا اللمفاوية T وB إلى الاستماتة، وآلية الموت الخلوي المبرمج.

المصادر
2. Bordignon, V. et al. How Human Papillomavirus Replication and Immune Evasion Strategies Take Advantage of the Host DNA Damage Repair Machinery. (2017) doi:10.3390/v9120390.
3. Steinbach, A. & Riemer, A. B. Immune evasion mechanisms of human papillomavirus: An update. Int. J. Cancer 142, 224–229 (2018).
هل كان هذا المقال مفيدًا لك؟
تساعدنا ملاحظاتك على تحسين المحتوى.





تعليقات القراء
شارك تعليقك
لا يُنشر اسمك وتعليقك إلا بعد موافقة المسؤول. لا يُعرض بريدك الإلكتروني للزوار مطلقًا.
كن أول من يعلّق.